فلسطين: التطور الديموغرافي وفصل الاقتصادَين
في أحدث أرقام أعدها جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني في مدينة رام الله، يبلغ عدد الفلسطينيين في العالم نحو 12.37 مليون، من بينهم 6.22 مليون يعيشون في فلسطين المحتلة، وهم موزعون بين 4.75 مليون في مناطق السلطة، ونحو 1.47 مليون فلسطيني في إسرائيل، في مقابل 6.15 مليون موزعين في الخارج بين 5.46 مليون في الدول العربية ونحو 685 ألفاً في الدول الأخرى.
وعلى رغم انخفاض معدل الخصوبة عند الفلسطينيين من 4.1 مولود خلال الفترة 2011-2013، مقارنة بـ6 مواليد عام 1997، فإن الإحصاءات أكدت أن خصوبة الفلسطينيين أعلى من خصوبة اليهود، إذ بلغ معدل الخصوبة الكلي للمرأة الفلسطينية في إسرائيل 3.2 مولود العام 2014، في مقابل 3.1 لكل امرأة في إسرائيل، كذلك بلغ متوسط عدد أفراد الأسرة الفلسطينية في إسرائيل 4.7. ووفقاً لتقديرات دائرة الإحصاء الإسرائيلية، بلغ عدد اليهود في فلسطين المحتلة نحو 6.22 مليون بنهاية عام 2014، وتقدر زيادتهم إلى 6.34 مليون مع نهاية العام الماضي، أي بزيادة ضئيلة على عدد الفلسطينيين، مع الإشارة إلى أن عدد هؤلاء سيتجاوز عدد الإسرائيليين قبل نهاية عام 2017.
ولكن اللافت في بيانات الإحصاء أن المجتمع الفلسطيني في إسرائيل يعد مجتمعاً فتياً، إذ بلغت نسبة الأفراد دون الخامسة عشرة نحو 34.8 في المئة عام 2014، في مقابل فقط 4.2 في المئة للأفراد من عمر 65 سنة وما فوق.
تدل هذه الأرقام على أهمية التطور الديموغرافي داخل فلسطين المحتلة، وبما يقلق الإسرائيليين على مستقبلهم، خصوصاً لجهة قدرة الفلسطينيين على الصمود لتحقيق قيام دولتهم المستقلة. وتحصل هذه التطورات في وقت تشهد القضية الفلسطينية تحولات متعددة، أحدثت تغييرات متسارعة على الخارطة السياسية، منها الانقسام والصراعات الداخلية الفلسطينية والاعتراف بفلسطين «دولة» وعضواً مراقباً في الأمم المتحدة، إلى جانب الأزمات المالية وانعكاسها السلبي على الوضع الاقتصادي عموماً، خصوصاً بعد دخولها (أي القضية) مرحلة ديبلوماسية لعلها الأصعب في تاريخها، لتتجلى بتقديم السلطة إلى مجلس الأمن مشروع قرار فلسطيني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي والاعتراف بدولة فلسطين، على رغم علمها المسبق بتهديدات الولايات المتحدة المستمرة باستخدام حق النقض (الفيتو) لمنع صدوره.
ومع قبول انضمام دولة فلسطين إلى عضوية المحكمة الجنائية الدولية (محكمة لاهاي) بدءاً من الأول من نيسان (ابريل) 2015، وارتفاع حدة الخلافات السياسية مع إسرائيل والتي أصبحت تهدد الوضع الاقتصادي، وعلى رغم استمرار العمل في ظل بيئة عالية الأخطار، تتوقع تقديرات سلطة النقد احتمالين، إيجابي ويشير إلى نمو الاقتصاد الفلسطيني في حال حدوث تحسن في الأوضاع السياسية وانتظام تحويل ايرادات المقاصة وتدفق المنح والمساعدات وأموال إعادة إعمار قطاع غزة في شكل منتظم ومستمر، وسلبي ويشير إلى تراجع النمو الحقيقي في حال تدهور الأوضاع السياسية والأمنية في شكل حاد.
سبق للسلطة الفلسطينية أن تعرضت إلى أزمة مالية في العام الماضي بسبب إقدام إسرائيل على حجز أموال الضرائب التي تجبيها من الفلسطينيين لحسابها والتي تقدر سنوياً بنحو 1.5 بليون دولار، وبمعدل شهري نحو 120 مليون دولار، وهي (أي السلطة) في حاجة إليها لدفع رواتب 175 ألف موظف حكومي مدني وعسكري، وقد اضطرت للاستدانة من البنوك المحلية لتغطية العجز، ما ساهم بدوره في زيادة القروض المصرفية إلى القطاعين العام والخاص بنسبة 15.8 في المئة خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2015، وتسجيل رقم قياسي بلغ 5.64 بليون دولار بنهاية تشرين الأول (اكتوبر).
ومع تفاؤل سلطة النقد الفلسطينية بتحقيق نمو نسبته 3.1 في المئة، فهي تحذر من التحديات والأخطار التي تهدد الاقتصاد الفلسطيني وتحد من قدرته على النمو وتحقيق التنمية المستدامة، أبرزها استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وما يفرضه من تبعية اقتصادية، فضلاً عن الاعتماد على الدعم والمساعدات الخارجية، وتزايد حالة الضبابية السياسية والاقتصادية.
معروف أن معاناة الفلسطينيين في إسرائيل ليست جديدة، بل تعود إلى تاريخ قيام الكيان الصهيوني عام 1948، وهم ما زالوا يعانون من سياسات التهميش الاقتصادي والتمييز والاستغلال ومصادرة الموارد والأراضي وفرض الاستيطان. وتقوم إسرائيل باستمرار بحجب الموارد الاقتصادية عنهم بهدف ضمان تعلقهم بالموارد الاقتصادية وأماكن العمل التي تعود إلى الغالبية اليهودية، وهي تجند الاقتصاد الفلسطيني لخدمة مشروعها القومي. وإذا حصل أي تغيير في الممارسة، فلا بد ان يتناسق مع مصالحها أولاً وأخيراً، وأن يحافظ على تبعية الاقتصاد العربي، على أساس ان أي تغيير يجب أن يلبي حاجات الاقتصاد الإسرائيلي. ولكن على رغم ذلك، يلاحظ أن مؤسسات الكيان الصهيوني باتت تعي أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يمكنه ان يتطور من دون تطوير الاقتصاد الفلسطيني لكن تحت سقف الأهداف الإسرائيلية، وان يكون هذا التطور جزءاً يخدم أجهزة «الإشراف والرقابة» المعمول بها تجاه الفلسطينيين في الداخل. ولتحقيق هذا الهدف، تقوم حكومة تل ابيب من خلال شركاء فلسطينيين في القطاع الخاص من دون إشراك مؤسسات فلسطينية رسمية أو شبه رسمية، (وهي تسعى إلى الفصل بين الاقتصادي والسياسي، وبين الاقتصادي والقومي في حالة الفلسطينيين في الداخل)، بمحاولة إقناع بعض رجال الأعمال بالتنازل عن النضال السياسي والقومي، والاكتفاء بالمطالب الاقتصادية الفردية اليومية وتحسين ظروف المعيشة.
وفي ظل كل هذه التطورات، تفاعلت حملة المطالبة بإسقاط «بروتوكول باريس» الموقع في 29 نيسان (ابريل) 1994، والذي ينظم العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، خصوصاً أن تل ابيب سبق ان أسقطته بالفعل بممارستها في إخراج غزة من هذه المنظومة وبناء الجدار الفاصل وغيرها من الممارسات، مع التأكيد أن هذا «البروتوكول» كان المعرقل الرئيس لتطوير الاقتصاد الفلسطيني، والبوابة الرئيسية لتفاقم أزمة البطالة التي وصلت في غزة إلى نسبة 45 في المئة، فضلاً عن تدهور مستوى المعيشة وزيادة معدلات الفقر المدقع، نظراً إلى القيود الثقيلة التي يفرضها على تطور مختلف قطاعات الاقتصاد الفلسطيني، من زراعة وصناعة وخدمات واستثمارات مالية وتكنولوجيا.
* نقلا عن صحيفة " الحياة "