.
.
.
.

اقتصاد لبنان والإنقاذ الذاتي

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

يمر لبنان بأوضاع سياسية واقتصادية غير مواتية منذ فترة طويلة، لكن ما حدث بعد قرار السعودية وقف منحة الأربعة بلايين دولار لدعم تسليح الجيش وقوى الأمن وما تبع ذلك من إجراءات، سيدفعان الأوضاع الاقتصادية إلى مزيد من التراجع. لا شك في أن غياب الإدارة السياسية المتوافقة وعدم القدرة على انتخاب رئيس للجمهورية منذ أيار (مايو) 2014 يعنيان أن إمكانية التعامل مع الملفات الاقتصادية شبه مفقودة. وغني عن البيان أن النزاع في سورية وانغماس أطراف لبنانية في هذا النزاع وتفاوت المواقف في شأن الأمر بين مختلف القوى السياسية، دفعت الحياة السياسية إلى مأزق صعب.

لكن توتر العلاقات مع دول الخليج قد ينعكس على اقتصاد لبنان بعد وقت غير طويل. يمثل الخليج مصدراً أساسياً للإيرادات الخارجية للاقتصاد اللبناني، إذ يعيش أكثر من 500 ألف لبناني في منطقة الخليج ويحولون جزءاً مهماً من مداخيلهم إلى لبنان. ولا يزال الخليجيون يمثلون نسبة مهمة من السياح في لبنان، وهم لم يتوقفوا تماماً عن زيارة البلاد على رغم المشاكل الأمنية التي حدت من قدوم السياح من بلدان أساسية مثل البلدان الأوروبية.

يُضاف إلى ذلك أن بلدان الخليج قدمت منذ نهاية الحرب الأهلية في 1991، كل أصناف الدعم إلى الاقتصاد اللبناني، مثل القروض الميسرة من الصناديق التنموية، والدعم المباشر من الحكومات لموازنة الدولة، أو الإيداعات في المصرف المركزي، بالإضافة إلى توظيفات القطاع الخاص الخليجي في نشاطات وأعمال مختلفة في لبنان.

يعد الاقتصاد اللبناني من الاقتصادات المحدودة الحجم، إذ لا يتعدى الناتج المحلي الإجمالي 47 بليون دولار، وبما أن عدد السكان يبلغ 4.5 مليون شخص، فذلك يعني أن النصيب السنوي للفرد من الناتج المحلي الإجمالي قارب 11 ألف دولار عام 2014. ويتوقع خبراء الاقتصاد في لبنان ان يصل معدل النمو عام 2016 إلى 1.9 في المئة.

بيد أن هناك مشاكل هيكلية، أهمها ارتفاع قيمة الدين العام الذي يقارب 134 في المئة من الناتج، كما يساوي العجز في الموازنة تسعة في المئة من الناتج.

وخلال السنوات الماضية، لم يتمكن اللبنانيون من تحسين قيمة الصادرات السلعية التي لم تزد عن 4.5 بليون دولار في 2014 في حين بلغت الواردات 21.1 بليون دولار، ما يفاقم عجز ميزان المدفوعات. وبلغت الديون بعملات أجنبية 55.5 بليون دولار، على رغم ان احتياطات البلاد من الأرصدة بهذه العملات بلغت 39.5 بليون دولار نهاية 2014.

وتؤكد هذه البيانات أهمية مراجعة مختلف الأوضاع الاقتصادية لتحسين قدرات البلاد على مواجهة متطلبات التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للبنانيين وخفض التزامات الدولة محلياً وخارجياً.

هل يمكن للبنان أن يحسن من أوضاعه الاقتصادية، في ظل الصراع المستمر في سورية وتوتر الأوضاع السياسية والأمنية في الشرق الأوسط؟ واضح أن الأمور في غاية الصعوبة. وإذا أخذنا في الاعتبار تراجع أسعار النفط، لا بد ان ينعكس ذلك على الدعم المتوقع من بلدان الخليج، حتى في غياب الأزمة الراهنة على صعيد العلاقات. ولا بد ان يتأثر جميع العاملين في الخليج بضعف الاقتصادات النفطية فيفقد عدد منهم وظائفهم أو تتراجع تحويلاتهم. ويمكن ان يضعف تراجع أسعار النفط قدرة القطاع الخاص الخليجي على توظيف مزيد من الأموال في قنوات الاقتصاد اللبناني.

هناك إمكانيات للحد من التأثيرات السلبية المشار إليها آنفاً، ومنها استمرار تحويلات المغتربين في الخارج المقدرة بثمانية بلايين دولار سنوياً. ولن يكون تأثير تحويلات اللبنانيين المقيمين في الخليج إلا محدوداً، فغالبية المغتربين اللبنانيين تعيش في بلدان أميركا اللاتينية وأميركا الشمالية والبلدان الأوروبية وبلدان أفريقيا الغربية.

والأهم ان تتمكن الحكومة اللبنانية من بسط سلطتها في شكل مقنع وتعزز الثقة أولاً لدى القطاع الخاص اللبناني ثم لدى المستثمرين العرب والأجانب وتكسب ثقة البلدان الداعمة والمانحة، ومنها بلدان الخليج العربي وبلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان، وكذلك المؤسسات الاقتصادية والمالية الرئيسة في العالم.

غني عن البيان ان الاقتصاد اللبناني منهك منذ بداية النزاع في سورية بأزمة اللاجئين السوريين الذين بلغ عددهم 1.2 مليون شخص في بلد يبلغ عدد سكانه 4.5 مليون شخص، أي ما يمثل ثلث عدد سكان البلاد. فهؤلاء، على رغم المساعدات من المؤسسات الأممية وغيرها، يشكلون عبئاً ثقيلاً على الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية في لبنان. ولا بد من ان الحكومة اللبنانية تخصص أموالاً مهمة من الموازنة لإعانة هؤلاء اللاجئين.

اعتمد لبنان منذ زمن طويل على دور حيوي للقطاع الخاص الذي تمثل مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي ما يقارب 75 في المئة. ويمثل هذا القطاع نموذجاً للحيوية والإبداع في التعامل مع الظروف الاقتصادية للبلاد. وتمكن القطاع الخاص اللبناني، لوحده أو بشراكات مع مستثمرين عرب وأجانب، من تطوير النظام المصرفي وتأسيس العديد من المصارف المتميزة في البلاد. لكن يبدو ان ثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات المتخصصة بالتقويم الائتماني تتراجع، بما يؤكد أهمية قيام الدولة بالمراجعات الرقابية المستحقة ليستعيد هذا القطاع أهميته وحيويته.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.