هل تبقى السياسات القطاعية صالحة؟

لويس حبيقة
لويس حبيقة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

اعتمدت دول عدة منذ الحرب العالمية الثانية سياسات قطاعية مباشرة أو ما يعرف بكىٌُذ ٌفىْلَة أسهمت في خلق وتفضيل شركات أو قطاعات اختارتها الحكومات لأسباب مختلفة تجارية أو تكنولوجية أو تتعلق بالأمن القومي . تكمن السياسات القطاعية في تقديم الدعم المباشر أو الحماية من المنافسة أو القروض الميسرة للشركات أو القطاعات المعتبرة استراتيجية لمصلحة الاقتصاد الوطني . نجحت كوريا واليابان وحتى الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية في اعتماد سياسات أنتجت قطاعات نافست الشركات الخاصة دوليا.

خسرت هذه السياسات شعبيتها منذ السبعينات وحتى سنة 2008 حيث تصدر القطاع الخاص الاقتصادات المحلية والدولية منذ سقوط الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الحليفة . منذ بدء فترة الركود الكبير وبسبب انتشاره وارتفاع البطالة، عادت هذه السياسات الى الواجهة كوسيلة عملية لمواجهة المخاطر المالية والاقتصادية والاجتماعية . نعلم جميعا أن الدول الغربية أنفقت في اقتصاداتها لمواجهة البطالة ليس فقط ماليا وانما أيضا نقديا عبر تكبير حجم الكتلة النقدية لأن التضخم لم يعد الخطر الذي كان في السبعينات . انفاق الدول الصناعية في نفس الوقت وفي مختلف القارات جنب العالم السقوط الكبير أو ما يشبه أزمة 1929 التي تعود من وقت الى آخر الى الذاكرة.

عندما بدأت الأزمة الحالية في سنة ،2008 سقطت أرباح شركة الألعاب الفرنسية “ميكانو” التي لها 103 سنوات من العمر وكادت تفلس . في تموز ،2009 تدخل الصندوق السيادي الفرنسي فاستثمر 1 .3 مليون دولار فيها وأنقذها . هل هذا مبرر اقتصاديا؟ هل تعتبر شركة ألعاب للأطفال استراتيجية بحيث تتدخل الدولة لانقاذها؟ ما هي الحدود التي تفصل الشركات الاستراتيجية عن العادية؟ تقول “ميكانو” انه بفضل الاستثمار العام فيها، لم تحافظ على نفسها وعمالها فقط وانما ستقفل معاملها في الصين وتعيدها الى فرنسا . يقول الرئيس “أوباما” إن على الحكومات اتخاذ قرارات استراتيجية بخصوص قطاعات وشركات استراتيجية، وهذا ما فعلته الولايات المتحدة مؤخراً عبر انقاذها شركة “جنرال موتورز” وشركة اةء للتأمين والعديد من المصارف التجارية والاستثمارية . أما برنامج الضخ المالي الذي بلغ 787 مليار دولار، فذهب قسم مهم منه الى قطاعات الطاقة المتجددة والقطارات السريعة والآليات المتطورة . قرارات استراتيجية أمريكية في ظروف دقيقة حتمت تغيير السياسات المعتمدة منذ عقود.

يقول رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” انه سيخلق “شركة يابانية جديدة” مبنية على علاقات قوية وعميقة بين القطاعين العام والخاص . في أوروبا، تقوم العديد من الحكومات في ضخ الأموال الى قطاعات اقتصادية تعتبرها أساسية وفي مقدمها الصناعية . في الدول الصناعية، هنالك 4 أسباب تعيد السياسات القطاعية الى الواجهة:

أولا: ضعف الاقتصاد الدولي وعدم القدرة على النهوض اعتمادا فقط على المنافسة واقتصاد السوق . تقع الحكومات اليوم تحت الضغط الشعبي للقيام بشيء ما لتخفيف البطالة وانقاذ الاقتصادات . من هذه السياسات انتقاء قطاعات وشركات ودعمها قانونيا وماليا وفي الارشاد .

ثانيا: هنالك دول عدة منها الولايات المتحدة تريد تخفيف ثقل قطاعي المصارف والعقارات في الاقتصاد، اذ عرفت فقاعات سقطت بسرعة وضربت الاقتصادات معها . هنالك طريق واضح هو تشجيع القطاعات الأخرى كي تكبر وتأخذ حصة أكبر في السوق والوظائف . من القطاعات المستفيدة هي “الخضراء” أي المرتبطة بالبيئة والحفاظ عليها لمصلحة المجتمعات .

ثالثا: عندما تطبق أي دولة سياسة قطاعية معينة، تكثر المطالب لتعميم السياسة على قطاعات أخرى . أين الحدود وما هي المعايير؟ دعمت الولايات المتحدة مثلا شركة “لوكهيد” في سنة 1971 وشركة “كرايزلر” في سنة 1979 . لذا اضطرت الحكومة مؤخرا الى وضع صندوق بقيمة 30 مليار دولار لاقراض الشركات المتوسطة والصغيرة بشكل مباشر أو عبر تقديم ضمانات للمقرضين .

رابعا: هنالك إشاعات تشير الى نجاح دول معينة في اعتماد سياسات قطاعية في حقبات سابقة أي مثلا في كوريا والصين واليابان . إلا أن البعض يجهل أن هذه المؤسسات المدعومة أصبحت مضخمة ولا تتمتع بالانتاجية ولا بالتنافسية العالية . من مساوئ الدعم، أصبحت اليابان أكثر الدول استدانة في العالم أي ما يفوق 200% من الناتج، وهي لا تستطيع حتى منع تفاقمه . عرفت اليابان 5 فترات ركود منذ سنة 1990 وعقدين من النمو المنخفض وأحيانا السلبي . لم تكن اليابان يوما نموذجا جيدا للحيوية والمرونة الاقتصادية المطلوبتين في عالمنا.

دروس العقود الماضية بشأن السياسات القطاعية تشير إلى نجاحات وعكسها تبعاً للظروف والدول والأوقات . ما هي الخلاصات؟

أولا: عندما تنفع السياسات القطاعية الأفضليات المقارنة للاقتصاد، تنجح أي تعزز القوة الموجودة أصلا . تنجح السياسات القطاعية عندما تتبع موجات السوق ولا تقودها . لا يمكن للسياسات القطاعية أن تكون بديلا عن الأسواق، بل تعزز قوتها لتعطي نتائج أفضل .

ثانيا: تنجح السياسات القطاعية عندما تطبق على قطاعات ذات مصلحة وطنية كبرى، أي ذات تكنولوجيا عالية كالطاقة البديلة والطيران والفضاء . يجب أن تكون هذه السياسات الاستثناء وليس القاعدة . تفشل السياسات القطاعية عندما يحركها السياسيون لتحقيق أهداف قصيرة الآجل، كأن ينفق على شركات لتجنب الصرف دون محاولة رفع الانتاجية تأمينا للاستمرارية . هنالك أخطاء أخرى يقوم بها السياسيون وهي الانفاق على شركات عملاقة غير فاعلة لأنها تقدم لهم الخدمات الانتخابية حتى على حساب الشفافية والمحاسبة والمال العام .

هل يؤيد الاقتصاديون السياسات القطاعية المعتمدة، التي يظهر أنها تتعزز مع الركود الكبير في وجودها وامتدادها الى حقول جديدة؟ يؤيد الاقتصاديون أن يكون هنالك دور مهم للدولة في تمويل البحوث الصناعية والتكنولوجية الأساسية وليس في انتقاء شركة أو قطاعات لأسباب تكون معظمها غير اقتصادية.

*نقلاً عم صحيفة "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.