اقتصاد في جلباب الحرب
تزامن خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما وإعلانه قرار الطلعات الجوية لاستئصال تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في العراق وسوريا مع بيان اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) الذي أظهر نتائج خطرة للوضع الاقتصادي والاجتماعي في سوريا، وتدهوراً حاداً في مستويات الفقر والبطالة والتضخم . المناخ السياسي الإقليمي والدولي الذي استجد على خلفية التطورات في العراق وسوريا خلال الأسبوع الماضي، لا ينبىء بأي تغير في المعطيات الاقتصادية في سوريا قبل استشراف المسار الزمني للحرب ومستقبل النظام السياسي، بينما لوحظ أن بيان جدة الصادر عن اجتماع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع وزراء خارجية دول الخليج ومصر والعراق ولبنان والأردن تضمن فقرة "مساعدة المناطق السكانية (في العراق) التي تعرضت لفظائع تنظيم "الدولة الإسلامية" من خلال إعادة الإعمار والتأهيل".
لم يفقد العراق مقومات إعادة الإعمار مالياً واقتصادياً واستثمارياً . فعلى الرغم من التركة الثقيلة التي خلفها رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، لا تزال جهوزيته لإعادة الإعمار متوفرة . والأهم أن قابليته لجذب الاستثمارات قائمة إذا ما تمكنت الحكومة البديلة من التزام خريطة الطريق المتفق عليها عربياً ودولياً لإعادة إحياء العملية السياسية وترميم المؤسسات الدستورية وإطلاق عجلة الحياة العامة . والفارق كبير بين العراق وسوريا في هذا المجال.
كتبنا في مقال سابق أن لا أحد مستعداً لإعادة إعمار "سوريا الأسد" . الشعار الذي يعني أن لا سوريا بلا الأسد . سوريا لا تحتاج إلى إعادة إعمار فحسب، بل إلى إطلاق ورشة استثمارية ضخمة في سياق عملية إعادة الإعمار . ليست البنى التحتية للاقتصاد السوري فحسب لحقها التدمير والأضرار، بل كل الهياكل المؤسسية لبناء دولة ومقوماتها . ومن العبث الاعتقاد أن النظام السوري هو المؤهل لقيادة إعادة الإعمار السياسية والاقتصادية . تقرير (إسكوا) الذي أعلن الأربعاء الماضي قدر خسائر سوريا بين 2011 و2013 فقط بنحو 77 .139 مليار دولار، حصة القطاع الخاص منها نحو 97 .95 مليار و8 .43 مليار حصة القطاع العام . وسجل التضخم في الفترة نفسها 62 .89 في المئة.
بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية 87 .107 في المئة . ويقبع 4 ملايين نسمة، أي زهاء 18 في المئة من تعداد السكان تحت خط الفقر المدقع من 25 .1 دولار أمريكي يومياً . كل تلك المؤشرات الاجتماعية والإنسانية البائسة لا تشمل عام 2014 الذي لا بد أنه يراكم مفاعيل أخرى فوق نتائج الفترة المشمولة بالتقرير . ويتوقع الأخير أن يرتفع خط الفقر الأعلى في 2015 إلى 4 .89 في المئة . وخط الفقر الأدنى إلى 5 .59 في المئة ليدفع نحو 90 في المئة من السوريين إلى آفة الفقر . وتحاكي أرقام التقرير توقعات البنك الدولي التي قدرت خسائر الاقتصاد السوري الإجمالية حتى 2014 بنحو 200 مليار دولار.
المسار السياسي لمواجهة تنظيم "داعش" في سوريا يخلو من أي أفق اقتصادي، بل وملتبس عسكرياً في انتظار مناقشة الكونغرس الأمريكي تفاصيل خطة أوباما . حتى مؤتمر "جنيف 1" الذي عقد في 2012 الذي قرر تشكيل هيئات من الحكومة السورية والمعارضة تتكفل بتعديل الدستور وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية تمهد لمرحلة انتقالية، لم يلحظ من قريب أو من بعيد إشارة إلى الجانب الإعماري والاقتصادي . وفي ذلك دلالة إلى أن أوان الجانبين المذكورين لم يحن بعد قبل وضع حد للحرب واستشراف الأفق السياسي . وجاء "جنيف 2" خطوة إلى الوراء، بعد أن تنكر النظام السوري لمقررات "جنيف 1" إثر تأكيدات دولية بأن المرحلة الانتقالية تعني "سوريا بلا الأسد"، ولا تخرج عن هذا السياق مواقف الدول الأوروبية والولايات المتحدة التي تركز في هذه المرحلة على توفير الدعم المالي للدول المجاورة لسوريا لغوث النازحين.
وسيمضي وقت طويل على ما يبدو لاستحقاق مؤتمر دولي عربي لبحث إعادة إعمار سوريا ومعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة . وتتضيق الشرايين المالية التي أمدت النظام بأوكسجين تمويل الحرب منذ نحو ثلاثة أعوام . الحليف الإيراني الذي يقول علناً إن انهيار النظام السوري تهديد مباشر لإيران، لا بد يضع في حساباته احتمال تعثر المفاوضات من جديد على المرحلة النهائية من الملف النووي . وقد ظهرت أخيراً إشارات في هذا المعنى قد تجمد استكمال تحرير جزء آخر من الودائع الإيرانية الخارجية.
وثمة معلومات مصرفية في بيروت تفيد بأن تحويلات سوريا من احتياطات المصرف المركزي لحساب المصرف المركزي الروسي التي قامت بها الحكومة السورية تحت وطأة العقوبات العربية والدولية شارفت على نهايتها . وعلى أساسها كان اتفاق التسهيلات المالية الروسية مع موسكو في 2012 بواقع 3 مليارات دولار . وروسيا تعاني الآن سلسلة من العقوبات الجديدة على خلفية الأزمة الأوكرانية، بينما تتشدد المصارف الأجنبية، ومن بينها مصارف لبنانية، في فتح اعتمادات إلاّ بضمانات نقدية، ولتجار معينين حساباتهم خارجية في الأغلب الأعم . وتتفادى المصارف في لبنان فتح اعتمادات تقليدية لتجار سوريين لاستيراد سلع ذات استخدام مزدوج مدني وعسكري تفادياً للعقوبات الدولية على سوريا . . الاقتصاد السوري يقترب من الانهيار ويتخفى بجلباب الحرب.
*التفاصيل في الرابط التالي
https://www.alkhaleej.ae/analyzesandopinions/page/37ab4ca1-9d14-473b-9c0c-baac61433bf0