.
.
.
.

لغز الدولار الذي هبط في سوريا ولم يأخذ معه الأسعار!

المصرف المركزي أشعل نار هبوط الليرة ثم أطفأها بخطوات غير مفهومة

نشر في: آخر تحديث:

ينشغل الشارع السوري منذ أيام بظاهرة انخفاض سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية.

ولا تكاد تخلو صفحة في مواقع التواصل الاجتماعي كافة، من تعليقات أو أخبار تتناقل هذه الظاهرة التي لا زالت في إطار من الغموض يجعل من العسير تفسيرها، خصوصا أن الاجراءات التي زعم البنك المركزي السوري أنه قام بها فحسّن من سعر صرف الليرة، كان سبق له وقام بها في جلسات تدخل عديدة، ولم يفلح في السابق في تحسين سعر صرف العملة المحلية.

فما الذي جرى الآن؟ و كيف يخسر الدولار الأميركي أكثر من ثلث سعره مقابل الليرة السورية بعد أن وصل الدولار إلى 650 ليرة سورية منذ أيام قليلة؟

وزيرة سورية شغلت كرسيّ الاقتصاد في حكومة سابقة قالت إن السبب المباشر لارتفاع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار هو تدخل البنك المركزي. إلا أن الوزيرة السابقة لمياء عاصي أكدت أن هذا الارتفاع ليس لأسباب اقتصادية! مثلما كان انخفاض سعر الليرة لأسباب غير اقتصادية على حد قولها الذي أجملت فيه هذا الارتفاع والهبوط بأنه نشاط يعود الى السوق السوداء، والتي تسمّى في سوريا، أصلا، السوق الموازية، كطريقة في جعلها شرعية أكثر ومنحها موثوقية دفعت بكثير من الناس الى المضاربة وجني الدولارات، الأخيرة التي يتراكض بعضهم لبيعها بسرعة مخافة انخفاض في سعرها الآن.

عوامل غير مفهومة

مصادر قالت لبعض وسائل الإعلام الروسية أمس الخميس، إن تدخل البنك المركزي السوري، هو الذي أسهم بتحسن سعر صرف الليرة مقابل الدولار إلى جانب "عوامل غير مفهومة" على حد ذكر المصدر الاقتصادي.

ولفت في هذا السياق مسارعة بعض الجهات الحكومية السورية الى نفي أن يكون تحسن سعر صرف الليرة مرتبطاً بمعونات ومساعدات من دول حليفة لنظام الأسد.

من جهته، عبّر موقع الكتروني سوري قريب من دوائر الحكومة السورية ويدعى "خطوات سوريا" عن حيرته في فهم ظاهرة ارتفاع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، إذا كان السبب في ذلك هو تدخل البنك المركزي. فيقول: "التحسن الكبير الذي طرأ على سعر صرف الليرة مقابل الدولار، خلال اليومين الأخيرين، يدفعنا للتساؤل عن السبب الذي جعل المصرف المركزي يترك سعر الليرة ينخفض الى مستويات كبيرة، طالما أنه كان قادرا بطريقة أو بأخرى على التأثير بالسوق وضبطها؟".

سؤال بلا إجابة: لماذا الآن؟

ويقول "خطوات سوريا" القريب من النظام السوري في تقرير يعود الى الأول من الجاري، متسائلا عن هذا السر وراء تدخل المركزي الذي أفضى إلى تحسين سعر الليرة السورية، خصوصا أن المركزي نفسه كان شاهدا على انخفاض قيمة الليرة في السابق: "هل تَرْك سعر الصرف ينخفض بنسبة كبيرة تم برضا المصرف المركزي لغاية ما؟ وماهي هذه الغاية؟".

وينتهي التقرير السالف إلى أن هناك تباينات في التحليلات حول تلك الظاهرة، مؤكدا أنها ستترك "تأثيرات سلبية". إلا أن السؤال الذي وُسِم به بقي بلا إجابة وهو: "لماذا ترك المركزي سعر الصرف يتراجع الى المستويات السابقة؟".

وأعلن أمس الخميس في دمشق عن أن سعر صرف الدولار مقابل الليرة وصل الى 470 ليرة سورية على أن يتم صرف الحوالات الدولارية عبر سعر صرف 475 ليرة للدولار الواحد، بعدما تجاوز عتبة الـ 650 في الأيام القليلة التي سبقت ظاهرة الهبوط المفاجئ في سعر الدولار مقابل الليرة.

في المقابل قالت جريدة "الوطن" السورية القريبة من النظام السوري في تقرير لها أمس الخميس، إن الدولار وصل إلى 370 ليرة سورية في السوق السوداء، بعد إعلان المركزي خفض سعر التدخل. إلا أنها ذكرت رقماً أعلى من غيرها لصرف الحوالات الدولارية حيث تسلّم لأصحابها بالليرة السورية وبسعر 480 ليرة للدولار المحوّل من الخارج.

حاكم المصرف يدافع عن نفسه

من جهة أخرى، يؤكد المركزي أنه لن يسلم الحوالات لأصحابها إلا بالعملية المحلية، أي أن البنك هو الذي يشتري الدولار المحوّل، ثم يسلّمه للمرسل إليه بالليرة السورية بعد فرض سعر مغرٍ بدا في الآونة الأخيرة أنه أعلى من سعر السوق السوداء!

حاكم مصرف سوريا المركزي، أديب ميالة، دافع ضد التهم الموجهة الى المركزي السوري بأنه ترك سعر صرف الليرة السورية ينخفض الى مستويات جنونية، وقال إن مصرفه لم يترك سعر الصرف ينخفض وفق أهواء السوق السوداء. واعداً بجلسات تدخل إضافية، على حد قوله الذي نقلته "الوطن" السورية. إلا أنه اعتبر اتهام المركزي بأنه المتسبب بانخفاض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار بأنه "حملة مضادة" يقودها البعض "للنيل من المركزي" على حد قوله.

لكنه في المقابل، لم يوضح لماذا أثمرت خطوات تدخل المركزي، الآن، وفشلت في السابق، بل على العكس، كانت كل جلسة تدخل، يتلوها ارتفاع في سعر الدولار مقابل الليرة؟!

نقود ليبية مطبوعة في موسكو فهل حصل ذلك في سوريا؟

قيام المركزي بشراء الدولار، يعني توفر سيولة من العملة المحلية الى درجة المضاربة على المضاربين في السوق السوداء التي تسمى "موازية" في إعلام حكومة النظام السوري. وتساءل بعض المحللين الاقتصاديين عن سر توفر تلك السيولة من أوراق العملة السورية وما إذا كانت طبعت بأرقام ضخمة في الآونة الأخيرة دون الإعلان عن ذلك مخافة الوقوع بتضخم؟

مثلما حصل في ليبيا حيث تم تداول أوراق نقدية ليبية مطبوعة في روسيا، الأمر الذي أثار مخاوف كبيرة، تبعا لما نقلته "الشرق الأوسط" اللندنية في تقرير لها أمس الخميس قالت فيه إن 200 مليون دينار ليبي وصلت من موسكو الى مطار طبرق. ناقلة أن "نقص السيولة" في البلاد سيدفع بحكومة الوفاق للسماح بتوزيع النقود الجديدة في شرق ليبيا، بعد عدم دفع الرواتب لموظفي القطاع العام.

هبوط الدولار بسرعة ضوئية!

عضو في مجلس الشعب في سوريا، يدعى فارس الشهابي، وهو من العائلات الحلبية التي تمتلك خبرة في مجال التجارة والأعمال، ومقرب من نظام الأسد، نقل عنه استغرابه لهذا الانخفاض المفاجئ بسعر صرف الدولار، واصفا سرعة هبوطه بـ"السرعة الضوئية" متسائلا عن الإجراء العجيب الذي اتخذته حكومة النظام و"مالم تستطع أي دولة في العالم فعله" ولماذا "لم تفعل ذلك من قبل؟".

تتمحور أغلب الأسئلة، والتي لم تجد جوابا، عن الأسباب "غير المفهومة" التي أدت إلى تحسن صرف الليرة بهذه السرعة الضوئية بحسب النائب السالف، إلا أن الرد الحكومي يصر على أن جلسات التدخل التي قام بها المركزي هي التي أدت الى تحسن واقع صرف الليرة بهذا الشكل الذي أفقد الدولار أكثر من 30% من سعره مقابل الليرة.

ارتفاع الأسعار وانخفاض الدولار وتحسن الليرة.. لغز الألغاز!

إلا أن الرأي الاقتصادي الذي تتداوله حتى أوساط قريبة من حكومة النظام السوري، تقول إن أسعار السلع في البلاد هي التي تحدد ما إذا كان هناك تحسن حقيقي بسعر صرف الليرة. الأمر الذي لم يظهر حتى الآن في قوائم الأسعار التي لازالت "تكوي" السوريين وهم على أبواب شهر رمضان المبارك.

وأكدت تعليقات الناشطين من الداخل السوري، أن الانخفاض في الأسعار، لم يصب إلا عددا محدودا من السلع ومنها الموبيلات بشكل خاص. أما بقية السلع الغذائية أو سواها فإنها تواصل ارتفاعها، بصفة عامة، بدون أن تتأثر بما يشاع في ارتفاع سعر صرف الليرة.

ما يعيد سؤال المهتمين مرة أخرى الى التداول: ما الذي حصل في سوريا كي ينخفض سعر الدولار بهذا الشكل المفاجئ، ليجعل السوريين يسارعون الى إخراج دولاراتهم وإعطائها للحكومة، وملء جيوبهم بالعملة المحلية؟ ولماذا يدعي المركزي أن جلسات تدخله أفضت الى إفقاد الدولار 30% من قيمته، بينما لم يفعل ذلك في السابق؟

ولعل الإجابة شبه الشافية على هذا السؤال، هو ما كان صرّح به عدد من الناشطين منتقدين حكومة الأسد، عندما قالوا ومنذ أشهر: استعمال تعبير "السوق الموازية" عوضا من تعبير "السوق السوداء" القصد منه منح شرعية لهذه المضاربات على حساب قوت المواطنين بل اقتصاد البلد برمته، ملمّحين إلى دور حكومتهم بالمضاربة كطرف تجاري، لا كجهة حكومية محايدة.

ويلاحظ أنه تم التوقف الآن عن استخدام تعبير "السوق الموازية" في مقابل رواج تعبير: السوق السوداء.