حصري طلبات استباقية على الدولار.. هل بالغت في تسعيره مقابل الجنيه المصري؟

محللون: 4 عوامل رئيسية ضغطت على سعر الجنيه وافقدته عُشر قيمته

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
7 دقائق للقراءة

بعد نحو 8 أشهر من المكاسب الملحوظة للجنيه المصري مقابل الدولار، جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتفقد العملة المصرية جميع مكاسبها في أيام معدودة، بل وتدفع بها إلى مستويات رسمية لم تصلها على الإطلاق.

القفزات الأخيرة في سعر العملة الخضراء أثارت علامات استفهام كثيرة حول ما إذا كانت الزيادة تعكس بالفعل واقع السوق، أم نتاج مبالغات تحركها ضغوط الطلب المفاجئ والمتزايد على العملة الأجنبية، في ظل تصاعد حدة الإضطرابات الجيوسياسية في المنطقة.

وفقد الجنيه أكثر من 10% من قيمته أمام الدولار في أقل من أسبوعين، حيث هبطت قيمته إلى نطاق يتراوح بين 52 و53 جنيهاً، مقابل 47.9 جنيهاً قبل اندلاع الحرب الأميركية -الإسرائيلية ضد إيران.

وعزا محللو اقتصاد كلي بعدد من بنوك الاستثمار، ارتفاعات الدولار إلى أربعة عوامل رئيسية وهي، التخارج الجزئي لاستثمارات الأجانب من سوق الدين المحلي، وتقلبات أسعار النفط، وقوة الدولار عالمياً التي تضغط على عملات الأسواق الناشئة وفي مقدمتها مصر، إضافة إلى الطلب الاستباقي المحلي.

واتفق محللون ومصرفيون تحدثوا مع "العربية Business" على أن جزءاً من الطلبات المحلية على الدولار جاء مدفوعاً بمخاوف تكرار أزمات سابقة مرتبطة بشح العملة الأجنبية، ما دفع بعض المستوردين إلى توسيع طلباتهم الاستيرادية لتأمين احتياجات مستقبلية، الأمر الذي يخلق ضغوطاً إضافية على سوق الصرف ويزيد من حدة الارتفاعات.

واعتبر المحللون أن تحركات العملة السريعة لا تعكس فقط العوامل الاقتصادية الأساسية، بل ترتبط أيضاً بسلوكيات استباقية من جانب المتعاملين في السوق، الذين يسعون لحماية أنفسهم من أي اضطرابات محتملة، وهو ما قد يؤدي إلى مبالغة في مستويات الأسعار مقارنة بالواقع الحقيقي للعرض والطلب.

خروج الأموال الساخنة

قال المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت في شركة الأهلي لإدارة الاستثمارات المالية، محمود نجلة، إن موجة الخروج الجزئي لرؤوس الأموال الساخنة تزامنت مع مواعيد استحقاقات الدين، ما أحدث قفزات سعرية في سوق شديد الحساسية تجاه التدفقات الأجنبية.

وأضاف نجلة لـ"العربية Business": "حجم التخارج من استثمارات الأجانب لم يكن كبيراً بصورة تثير فزعاً، لكنه كان كافياً لإحداث قفزات سعرية في سوق يتسم بالحساسية تجاه التدفقات الأجنبية".

وأشار إلى أن وصول الدولار إلى مستوى يقارب 53 جنيهاً الأسبوع الماضي دفع شريحة من المستثمرين لاعتبار السعر "نقطة دخول مغرية"، ما أدى إلى عكس الاتجاه مؤقتاً وتراجع العملة مجدداً، قبل أن تعود المخاوف المرتبطة بتطورات الحرب واتساع نطاقها لتدفع بعض التدفقات إلى الخروج مرة أخرى.

وضخ المستثمرون العرب والأجانب سيولة في أذون الخزانة، عبر السوق الثانوية، الخميس الماضي بقيمة تتجاوز 53 مليار جنيه (نحو مليار دولار) ، بحسب بيانات البورصة المصرية.

ويرى نجلة أن العامل الحاسم في تسعير العملة في هذه المرحلة يتمثل في توقعات مدة الحرب وتطوراتها، حيث إن أي إشارات تهدئة من شأنها أن تعيد تدفقات الأجانب سريعاً وبالتالي تعزز قيمة الجنيه المصري من جديد.

واتفق معه مدير أسواق الدخل الثابت بشركة الأهلي فاروس، محمد عبد الناصر، والذي قال إن خروج الأجانب من أذون وسندات الخزانة يظل العامل الأكثر تأثيراً في حركة سعر صرف الجنيه.

وأضاف عبد الناصر لـ"العربية Business"، أن المستثمر الأجنبي يدخل السوق مستفيداً من سعر صرف مرتفع وعائد كبير على أدوات الدين، ليحقق مكاسب مزدوجة من فرق العملة والفائدة، وبالتالي فإن أي خروج طبيعي ينعكس على سعر الصرف نتيجة تسوية هذه العمليات.

وأوضح عبد الناصر أن بعض المستثمرين دخلوا عند مستويات تقارب 51 جنيهاً للدولار، ثم استفادوا من تحسن سعر الصرف إلى ما دون 47 جنيهاً، بما منحهم مكاسب تقارب 10% من العملة، إضافة إلى عوائد سنوية تجاوزت 20% على أدوات الدين، مع أعباء ضريبية محدودة.

"هذه التركيبة تجعل السوق المصرية جاذبة، لكنها في الوقت نفسه حساسة تجاه أي مخاطر جيوسياسية قد تدفع المستثمرين إلى تفعيل أوامر وقف الخسائر والخروج المؤقت"، بحسب عبد الناصر.

ويرى عبد الناصر أن موجة خروج الأجانب من السوق المحلية نهاية الأسبوع الماضي بدأت تتراجع بالفعل، حيث دخل نحو 1.5 مليار دولار خلال يومي الأربعاء والخميس الماضيين، مقابل خروج سابق بلغ نحو 6.7 مليار دولار.

وأوضح عبد الناصر أن ارتفاع سعر الدولار بنحو 46 قرشاً الخميس الماضي لا يعكس بالضرورة خروجاً جديداً للأجانب، بل قد يكون نتيجة تسوية عمليات تمت خلال الأيام السابقة.

ارتفاع أسعار النفط وقوة الدولار

في المقابل، يرى محلل أسواق المال، هيثم فهمي، أن ارتفاع أسعار النفط يمثل المحرك الأبرز لقفزة سعر الدولار في مصر وليس تخارج الأجانب من سوق الدين المحلي.

وأضاف فهمي لـ"العربية Business" أن ارتفاع سعر النفط يضيف ضغوطاً مباشرة على الجنيه المصري تتراوح بين 3% و7%، ما يعكس نطاقاً لسعر الصرف يتراوح بين 51.5 إلى 53.5 جنيهاً للدولار.

ومن جانبه قال مسؤول خزانة بأحد البنوك الكبرى، إن قوة الدولار عالمياً وارتفاع أسعار الطاقة، بجانب استمرار حالة عدم اليقين التي خلقتها التوترات الجيوسياسية، تفرض ضغوطاً على جميع عملات الأسواق الناشئة وفي مقدمتها مصر.

في المقابل استبعد عبد الناصر وجود تأثير قوي لتقلبات أسعار النفط على سعر صرف الجنيه في الوقت الحالي، موضحاً أن قوة العملة المحلية تُقاس بمعدل التدفقات الأجنبية، وأن المستثمر الأجنبي يركز بالدرجة الأولى على استقرار سعر الصرف والعائد على أدوات الدين.

ويرى عبد الناصر أن سيناريو عودة الدولار إلى مستويات 56 أو 60 جنيهاً يظل احتمالاً قائماً حال تصاعدت الحرب وخروج تدفقات أكبر، لكنه أكد أنه في حال انتهاء التوترات، قد تشهد مصر تدفقات عكسية سريعة، كما حدث بالفعل فور الحديث عن انحسار التصعيد.

ضغوط الطلب الاستباقي

اتفق المحللون على أن جزءاً من الطلبات المحلية على الدولار حالياً تستهدف التحوط من أزمات مستقبلية أو قيود على الاستيراد وهو ما بالغ في معدلات الطلب على العملة وبالتالي في تسعيرها.

وقال مسؤول خزانة بأحد البنوك المصرية إن مخاوف المستوردين من مواجهة أزمة تدبير عملة حال تفاقم التوترات السياسية، دفعهم بالتأكيد للتعجيل من طلبات مستقبلية، خاصة مع اقتراب موسم الصيف الذي يعد الأكثر رواجاً واستهلاكاً من جانب العملاء.

وأضاف المسؤول: "مع ذلك لا يمكن أن نحمل الطلبات المحلية الجزء الأكبر من الضغط على العملة وارتفاع سعرها، ولكنها أحد الأسباب التي رفعت الطلبات في سوق الإنتربنك الدولاري الأسبوعين الماضيين".

وشهدت سوق الإنتربنك الدولاري (بيع وشراء الدولار بين البنوك المصرية) نمواً ملحوظاً في حجم المعاملات المنفذة خلال الأسبوعين الماضيين، لتتراوح بين 550 و800 مليون دولار، فيما تضاعفت التنفيذات الخميس الماضي لتسجل 1.1 مليار دولار، مقابل تعاملات طبيعية قبل الأحداث الأخيرة بين 150 و250 مليون دولار يومياً.

من جانبه قال نجلة إن الطلب المحلي على تدبير العملة بالتأكيد يشهد تزايد في مثل هذه الأوضاع المتوترة، بهدف التحوط ضد استمرار التقلبات، خاصة مع تلويح الحكومة بتقييد الإنفاق على السلع والمنتجات التكميلية.

وأكد أن ضغوط الطلب على الدولار ستنتهي فور وقف الحرب واستعادة التدفقات الأجنبية من مختلف المصادر التي تأثرت سلباً بتداعيات الحرب.

بينما ترى رئيس البحوث بشركة زيلا كابيتال، أية زهير، أن أسعار الدولار الحالية هي انعكاس للعرض والطلب، مشيرة إلى أن المبالغة في الطلبات على الدولار من مختلف الجهات تتسبب في قفزة التسعير السريعة للعملة الأميركية.

وقالت زهير لـ"العربية Business" إن هناك عدة عوامل تضغط على سوق الصرف، من بينها استحقاقات الديون الخارجية وتوقيت سدادها، وخروج بعض رؤوس الأموال الأجنبية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية وتوقعات تباطؤ تحويلات العاملين بالخارج.

"هذه العوامل مجتمعة تفسر التحركات الأخيرة لسعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار والمرهونة بتوقف التوترات السياسية في المنطقة واستعادة الأمان الاقتصادي"، بحسب زهير.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.