.
.
.
.

صناعة النفط .. هل ستتأثر؟

م. عبدالرحمن النمري

نشر في: آخر تحديث:

رؤية المملكة الطموحة ركزت على المحتوى المحلي وتوطين الصناعات في كثير من القطاعات ومنها بلا شك قطاع النفط والغاز الذي يعد عصب اقتصادها، وقد ذكرت سابقا أن هناك لبسا لدى البعض حول العلاقة بين التحرر من النفط الذي تسعى له السعودية، ونمو صناعة النفط ومستقبلها. التحرر من النفط لا يعني أبدا انكماش صناعته، أو أفول نجمه كما ينادي به البعض، أو يتمناه آخرون، فالنفط ليس حكرا على الطاقة، رغم أنه ما زال متربعا على عرشها وسيبقى كذلك في المديين القصير والمتوسط على أقل تقدير، الاستراتيجيات ليست في منأى عن العوامل الخارجية، التي تتطلب تقييم تأثيرها، لتقويم مسارها إن لزم الأمر.

ومن قلب هذا القطاع أستطيع أن أقول جازما وبكل ثقة: إن كثيرا من الكوادر الوطنية الذين عاشوا بين آبار النفط والمنشآت النفطية الأخرى اكتشفوا خلال رحلتهم العملية مواطن ضعف في العمليات التشغيلية أو التقنيات المستخدمة ولديهم حلول مجدية لها، ولا يعتريني شك أبدا أن من الممكن ترجمة هذه الأفكار والحلول إلى صناعات وطنية تنافس محليا وخارجيا بوجود الدعم والتوجيه المناسبين. استشراف مستقبل أي قطاع استشرافا عمليا محايدا وموضوعيا هو في اعتقادي ضرورة ملحة، ليس على مستوى الدول فقط، بل تنسحب على القطاع الخاص والشركات الناشئة والأفكار التجارية التي ما زالت في المهد.

لا يخفى على أحد أن هناك مبالغة عجيبة، وجهودا حثيثة لترسيخ فكرة أن نجم النفط آفل لا محالة في المدى القصير، وسيتم الاستغناء عنه، والتطور الأخير الذي لا يمكن تجاهله في رأيي، وهو تبني وكالة الطاقة الدولية لهذا الطرح، التي تسعى إلى تقويض صناعة المنبع ووقف الاستثمار في اكتشاف حقول نفط جديدة، ذكرت رأيي حول هذا الموضوع في المقال السابق أن وكالة الطاقة الدولية ستراجع حساباتها قريبا، وستصدم بحقيقة أن الأمن الطاقي العالمي خط أحمر، وأن العلاقة بين مصادر الطاقة علاقة تكاملية، وأن النفط سيبقى عرابها ومتربعا على عرشها. لكن هكذا زخم إعلامي وتركيز مبالغ فيه عن النفط ووضعه في قفص الاتهام ونسب كل الكوارث البيئية والمناخية له، وسعي بعض الجهات لتقويض صناعة المنبع، سيكون لها تأثير متفاوت في رأيي على صناعة النفط عموما، وصناعة المنبع خصوصا.

إن الشركات العملاقة والكبيرة القائمة التي رسخت جذورها، لن تتأثر من هذه الحملات الإعلامية، أو الإجراءات التقويضية، فلديها القدرة المالية والفنية على تجاوز العقبات والتأقلم مع المستجدات، حتى تنجلي سحابة الصيف التي قد تبقى لبضعة أعوام، أو أن يقتنع قادة هذا التوجه بأن الأمن الطاقي العالمي لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيقه في معزل عن النفط عراب مصادر الطاقة وشيخها.

إن الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة قد تتأثر في اعتقادي من هذا التوجه، خصوصا الشركات المختصة في صناعة المنبع. هذا الضغط الإعلامي قد ينجح في تضليل المستثمرين، وترهيب بعض رؤوس الأموال وتقليل جاذبية الاستثمار في هذا القطاع، وعليه أرى أن من الضروري أن تكون هناك رسائل تطمينية من الجهات الاستثمارية والتجارية، ومزيد من الإيضاحات من مراكز الدراسات المستقبلية الرصينة لتضع الأمور في نصابها.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.