الفيدرالي

التشديد النقدي الأميركي تحت المجهر

محمد كركوتي
محمد كركوتي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

"سنبقي الباب مفتوحا لمواصلة رفع الفائدة، وأغلب البنوك المركزية لا تزال بحاجة إلى رفع الفائدة"

جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي

ليس هناك مؤشر واضح على أن المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي "البنك المركزي"، حسم أمره بشأن سياسة التشديد النقدي. كل الاحتمالات واردة الآن، مع "تدفق" الآمال بأن تكون الزيادة التي فرضها هذا الشهر "وهي بنسبة 0.25 نقطة أساس"، الأخيرة بعد سلسلة من الزيادات بلغت 11 على التوالي. وهذا أمر لم يحدث إلا نادرا في تاريخ الاقتصاد الأميركي. الهدف الأهم أمام المشرعين الأميركيين، أن يكون مستوى التضخم تحت السيطرة الكاملة، وإن كانوا لا يأملون أن يحققوا الهدف الرسمي لأسعار المستهلكين عند 2 في المائة. وهذا الهدف الذي أصبح عالميا باعتماده من أغلبية الحكومات، سيكون بعيدا عن التحقيق على الأقل قبل منتصف العقد الحالي. ولكن كلما تمكن هذا الاقتصاد أو ذاك، من خفض نسبة التضخم ولو بمعدلات متواضعة، يزداد الأمل عادة بإمكانية التوقف عن زيادة الفائدة.

لا يستبعد "الفيدرالي الأميركي" تنفيذ مزيد من عمليات رفع الفائدة في اجتماعاته المقبلة. والمشكلة هنا تكمن في أن هذا الموقف لا يتناسب مع مسار التضخم على الساحة الأميركية، الذي حقق انخفاضا لافتا في الفترة الماضية، إلى أن بلغ أخيرا 3 في المائة، وهي النسبة الأقل مقارنة بمثيلاتها في الاقتصادات المتقدمة عموما. ففي بريطانيا وصلت مستويات أسعار المستهلك إلى 8 في المائة تقريبا، في حين بلغت في منطقة اليورو 5.5 في المائة. وعلى الساحة الأميركية، تمكنت سياسات "الفيدرالي" من إيصال التضخم إلى هذا المستوى المنخفض، بعد أن سجل في العام الماضي أكثر من 9 في المائة. ويبدو واضحا أن جيروم باول رئيس "الفيدرالي الأميركي"، يريد من خلال إبقاء الباب مفتوحا على إمكانية رفع الفائدة، أن يؤكد للسوق المحلية، أن التضخم يبقى الهم الأول، قبل أي شيء آخر.

ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن الساحة الاقتصادية الأميركية يمكنها أن تتحمل أكثر من الأوروبية الزيادة الأخيرة للفائدة، والسبب يعود إلى أن أسواق المال على الساحة الأميركية، أكثر عمقا وسيولة من الأوروبية، لأن المصارف تلعب في الأخيرة دورا محوريا في تمويل اقتصاد منطقة اليورو وبقية دول الاتحاد الأوروبية بشكل عام. إلا أن الأسئلة عن مستويات النمو الأميركي تزداد حدة، خصوصا مع هدوء ضربات التضخم. فكل تشديد نقدي هناك أثر سلبي مباشر في وتيرة النمو، أو في المستوى المأمول له. من هنا يأتي الخوف من رفع رابع للفائدة الأميركية قبل نهاية العام الجاري. صحيح أن السوق الأميركية استوعبت على الفور الزيادة الأخيرة، لكن الصحيح أيضا، أن معدل النمو لن يتجاوز 1 في المائة في أكثر السيناريوهات تفاؤلا.

أغلبية الاقتصاديين يتوقعون أن تتوقف زيادة تكاليف الاقتراض في الفترة المقبلة، لكن لا أحد يضمن حتى الآن إمكانية بقاء التضخم عند مستواه الحالي. فالهم الأول أمام الإدارة الأميركية في هذا الوقت بالذات، أن يبقى الاقتصاد بعيدا عن نطاق الركود، بصرف النظر عن المستوى المتوقع للنمو. من هنا، لا بد من الأخذ في الحسبان ما كرره المشرعون الماليون في واشنطن، منذ منتصف العام الجاري، بأنهم يرجحون زيادة الفائدة مرتين أخريين في هذا العام. كل شيء، بات متعلقا بمدى السيطرة على التضخم، في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة معارك انتخابية مبكرة فعلا، وفي ظل تجاذبات حزبية وسياسية لا تنتهي، تمثل فيها الأوضاع المعيشية والحالة الاجتماعية الحجر الأساس. فإدارة الرئيس جو بايدن، يمكنها أن تبني سياسيا على قدرتها في خفض التضخم حتى أكثر من التوقعات.

السوق الأميركية استوعبت بالفعل الرفع الأخير للفائدة، وهذا يعد مؤشرا مهما على إمكانية عودة النشاط تدريجيا إلى المستوى المأمول من قبل المستثمرين. على الرغم من تباطؤ نمو قطاع الخدمات الأساسي، ظلت الآمال بتجميد الفائدة لاحقا كبيرة. ولعل السبب الرئيس للحراك الصحي الذي حدث بعد الرفع الأخير للفائدة، أن السوق الأميركية ركزت على نتائج الشركات التي كانت جيدة، في حين تنتظر البورصات الإشارة المؤكدة إلى أن "الفيدرالي" لن يقدم على زيادة تكاليف الاقتراض في المراجعة المقبلة. وإذا ما تم ذلك فعلا، فيمكننا ببساطة أن نصف حراك هذه البورصات لاحقا بـ"الاشتعال الإيجابي". دون أن ننسى بالطبع، أن سوق العمل الأميركية تحقق مستويات مرضية، ما يعزز آمال المستثمرين التواقين إلى تجميد الفائدة.

على كل حال، لا شيء مضمونا بشأن الفائدة الأميركية. ففي أيلول (سبتمبر)، يمكن أن تتضح الصورة أكثر، خصوصا إذا ما وجد "الاحتياطي الفيدرالي" أن المؤشرات تضمن له التوقف عن سياسة التشديد النقدي، وإبقائها عند مستوياتها الراهنة. وهذا ما سيدعم تلقائيا النمو الذي يأمل السياسيون الأميركيون أن يتجاوز 1 في المائة بنهاية هذا العام. غير أن كل هذا، لن يغير من التوجه الأساسي للبيت الأبيض، بأن يبقى اقتصاد البلاد خارج منطقة الركود، حتى إن اتسم بالتباطؤ. فهذا الأخير بحد ذاته يعد إنجازا في فترة اقتصادية مضطربة يمر بها العالم أجمع منذ أكثر من عامين.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط