الصين على حافة أزمة عميقة.. انكماش سكاني متسارع يهدد بنية المجتمع
أزمة ستقلب موازين العالم خلال العقود المقبلة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تواجه الصين اليوم تحدياً داخلياً غير مسبوق في تاريخها الحديث، يفوق في خطورته حملة إدارة ترامب لفصل الاقتصادين الأميركي والصيني. فبينما تسعى بكين لترسيخ مكانتها كقوة عالمية، تواجه خطراً أعمق يأتي من داخلها وهو انخفاض سكاني حاد ومتسارع لم يشهد العالم مثله من قبل، وفق تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية.
ويحذر الخبراء من أن هذا الانحدار الديموغرافي سيترك أثره العميق لعقود قادمة، إذ قد يعرقل طموح الصين لمنافسة الولايات المتحدة ويؤدي إلى نقص كبير في اليد العاملة يؤثر على سلاسل التوريد العالمية، من ألعاب الأطفال إلى الهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية.
وتقول رئيسة قسم الاقتصاد الآسيوي في مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس لويز لو، إن "عكس هذا التراجع الديموغرافي يكاد يكون مستحيلاً"، مشيرة إلى أن تقلص القوة العاملة في الصين قد يخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنحو نصف نقطة مئوية خلال العقد المقبل.
وفي عام 1990 كان متوسط عمر المواطن الصيني 23 عاماً فقط، وكانت المرأة الصينية تنجب 2.5 طفل في المتوسط، أي أكثر من المعدل اللازم لاستقرار عدد السكان. لكن بعد ثلاثة عقود تغير المشهد جذرياً، فقد بلغ متوسط العمر 39 عاماً في عام 2023، وأصبحت المرأة لا تنجب سوى طفل واحد.
ووفقًا لإحصاءات عام 2022 بلغ عدد سكان الصين ذروته عند 1.4 مليار نسمة وبدأ منذ ذلك الحين بالانخفاض. وتتوقع الأمم المتحدة أن يتراجع العدد إلى 1.26 مليار بحلول عام 2050، وأن يتجاوز من هم فوق الستين عاماً نسبة 40% من السكان، بينما سيشكل من هم دون الخامسة عشرة نحو 10% فقط. أما بحلول عام 2100 فستنخفض أعداد الصينيين إلى نحو 633 مليون نسمة، نصف عددهم تقريباً اليوم.
وتعود جذور الأزمة إلى سياسة تنظيم الأسرة التي أطلقتها الحكومة في السبعينيات تحت شعار "الزواج المتأخر والإنجاب القليل". وفي عام 1979 فرضت بكين رسمياً سياسة الطفل الواحد، ولجأت إلى أساليب قسرية تشمل الإجهاض والتعقيم الإجباري وغرامات باهظة على من يخالف القواعد. نجحت السياسة في خفض المواليد، لكنها فعلت ذلك بشكل مفرط. وحين ألغيت القيود تدريجياً بين عامي 2015 و2021 لم يتغير الوضع كثيراً، بل تراجعت معدلات الخصوبة من 1.77 طفل لكل امرأة عام 2016 إلى 1.12 فقط عام 2021.
ويرى الباحثون أن السبب ليس القوانين فحسب، بل ارتفاع تكاليف تربية الأطفال. إذ تُقدّر دراسة من معهد "يووا" في بكين أن تكلفة تربية طفل واحد حتى التخرج من الجامعة تبلغ نحو 75 ألف دولار، وتصل في المدن الكبرى مثل شنغهاي إلى أكثر من 140 ألف دولار.
في محاولة متأخرة أعلنت الحكومة مؤخراً إعانة مالية قدرها 500 دولار سنوياً للطفل خلال أول ثلاث سنوات من حياته، لكن ردود الفعل الشعبية كانت فاترة، إذ يرى كثيرون أن الدعم ضئيل مقارنة بعبء الحياة المتزايد.
وانخفضت معدلات الزواج في الصين إلى مستويات غير مسبوقة. ففي عام 2024 سُجّل 6.1 ملايين عقد زواج فقط، أي أقل من نصف العدد المسجّل في 2013. وتعد هذه الأرقام مؤشرًا خطيراً، إذ إن معظم الأطفال في الصين يُولدون داخل مؤسسة الزواج.
وتحاول الحكومة مواجهة ذلك بوسائل متنوعة، من دروس "الحب والزواج" في الجامعات، إلى حوافز مالية لتشجيع الزواج والإنجاب، وحتى حملات إعلامية رسمية تهاجم البرامج التي تتحدث بإيجابية عن الطلاق أو الحياة الفردية. ومع ذلك، تبقى الأجيال الجديدة أكثر تمسكاً بحرية القرار والاستقلال الشخصي.
وبالتوازي مع انخفاض المواليد، يزداد عدد المسنين بسرعة. فقد ارتفع متوسط العمر ويتوقع أن يتضاعف عدد كبار السن خلال العقود الثلاثة المقبلة. هذا التغير يهدد نظام التقاعد الصيني الذي يعتمد على الضرائب لتمويل معاشات المسنين، ما يعني أن من هم خارج سوق العمل سيفوقون العاملين بحلول نهاية القرن.
وكانت الصين لعقود تُعرف بـ "مصنع العالم" بفضل وفرة الأيدي العاملة ورخصها، لكن تلك الحقبة تقترب من نهايتها إذ يتناقص عدد العمال بسرعة مقلقة. ويقول يي فو شيان: "الصين تشكل 30% من القدرة التصنيعية العالمية، لكن هذا سيتراجع لأن إنتاجيتها ستنخفض وانهيار قدرتها التصنيعية أمر لا مفر منه". والأجيال الجديدة أيضاً ترفض العمل في المصانع، على عكس جيل السبعينيات والثمانينيات الذي بنى ازدهار الصناعة الصينية.
وبينما تلجأ دول أخرى إلى الهجرة لتعويض نقص العمالة، ترفض بكين هذا الخيار لأسباب ثقافية وسياسية، وتراهن على الروبوتات والتشغيل الآلي، وهي حلول لا تغطي جميع القطاعات، خصوصاً الخدمات.
لكن إذا انهارت القدرة التصنيعية الصينية بسرعة فلن تكون الدول الأخرى جاهزة لملء الفراغ، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع عالمياً من الهواتف الذكية إلى الأحذية الرياضية.
-
ترامب يتوعد الصين بـ"زيادة هائلة" في الرسوم ويلغي لقاء شي جين بينغ
أكد أن الصين تُهدد بـ "ضوابط تصدير" على المعادن الأرضية النادرة
اقتصاد -
"سينوبك" الصينية تتلقى ضربة بعد أحدث عقوبات أميركية على النفط الإيراني
حزمة عقوبات أميركية تستهدف صادرات النفط الإيراني
طاقة -
الصين تعارض إدراج أميركا شركاتها على "قائمة الكيانات" المستهدفة بقيود
أكدت أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية الحقوق المشروعة لشركاتها
اقتصاد