قرأت لك

خطأ التريليون دولار.. لماذا يطور التنفيذيون المهارات الخطأ؟

أثبتت الخبرة أن الأنظمة تحدد المواهب لكن البشر يصنعونها

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

كشف إنفاق الشركات مليارات الدولارات على برامج تطوير القيادات عن مفارقة لافتة: معظم هذه البرامج لم تفشل بسبب النوايا، بل بسبب نموذج التفكير نفسه، الذي ركز على سد الثغرات بدلاً عن بناء القادة. وبينما اكتفت مؤسسات بإنتاج مديرين أكفاء، نجحت أخرى في إعادة تعريف الطريقة التي تصنع بها القيادة فحصدت الفارق.

أنفقت الشركات مليارات على تطوير القيادات لكنها أخفقت بصمت، إذ اعتمدت على نموذج تقليدي يرى القيادة كقائمة مهارات: تحديد نقاط الضعف، معالجتها، ثم الانتقال لما يلي. وقد أنتج هذا النهج مديرين قادرين، لكنه نادراً ما صنع قادة حقيقيين. في المقابل، تبنت المؤسسات المتقدمة فرضية مختلفة؛ فلم تعد تسأل عما يعجز عنه الأفراد، بل عما يمكن أن يصبحوه، وفقاً لما ذكرته مجلة "CEO World"، واطلعت عليه "العربية Business".

استند النموذج التقليدي إلى منطق إدارة الأداء لكنه فشل في إنتاج القادة، إذ افترض أن سد الفجوات يخلق قادة، بينما اقتصر أثره على تقليل القصور بشكل جزئي. وأظهرت بيانات "غالوب" أن الموظفين الذين يستخدمون نقاط قوتهم يومياً كانوا أكثر اندماجاً وإنتاجية وأقل ميلاً لترك العمل. وبذلك، حقق الاستثمار في تعزيز القوة عائداً أعلى على صعيد الاحتفاظ بالمواهب والأداء وبناء القدرات.

فضلت المؤسسات عالية الأداء تعظيم نقاط القوة بدل تصحيح نقاط الضعف، لأن تطوير القدرات المتميزة إلى مستوى نخبة يصنع ميزة تنافسية، بينما يؤدي التركيز على القصور في أفضل الأحوال إلى نتائج متوسطة.

أعادت السلطة تعريف أداة تطوير القيادات داخل المؤسسات، إذ لم تعد البرامج التدريبية أو الأطر النظرية العامل الحاسم، بل تفويض صلاحيات اتخاذ القرار الحقيقية. فعندما منح التنفيذيون فرقهم سلطة فعلية، تغيرت طريقة التفكير؛ إذ بدأ الأفراد يتصرفون كصناع قرار، بينما بقي الآخرون مجرد منفذين مهما حضروا من ورش عمل.

فيما سرع التفويض الحقيقي من إيقاع المؤسسات وخفف الاختناقات، خاصة في بيئة تتسارع فيها دورات المنافسة وتتقلب فيها الأسواق. وقد منحت المؤسسات التي وزعت القرار على مستوياتها المختلفة نفسها أفضلية هيكلية، عبر تقليل الاعتماد على الموافقات العليا وتسريع الاستجابة.

ورسخ التمكين الفعال ثلاث ركائز تشغيلية واضحة: فقد حدد المسؤولية دون إدارة دقيقة، وسمح بهامش مخاطرة محسوبة لتجريب القرارات، وأرسل إشارات ثقة حقيقية من القادة عبر التراجع بعد التفويض. ولهذا، وصف أفضل القادة بأنهم يحددون الاتجاه ثم يفسحون الطريق.

بينما دمر النهج التعاقدي الإمكانات الكامنة داخل الفرق، إذ تعامل مع الأفراد كموارد إنتاج: مهمة تسند، أداء يقاس، وانحراف يعالج. وقد نجح هذا النموذج في بيئات بسيطة، لكنه قوض الابتكار والقدرة على التكيف في البيئات المعقدة. في المقابل، نظر قادة المؤسسات الأكثر متانة إلى الأفراد كقدرات قيد البناء، وانتقلوا من سؤال "ماذا يقدم الآن؟" إلى "من يمكن أن يصبح؟".

حوّل هذا التحول المحادثات المهنية من طقوس شكلية إلى استثمارات حقيقية، فصممت المهام التحدية وفق مسارات نمو الأفراد، وأصبح التقييم موجهاً للمستقبل ومبنياً على القوة، كما خصص كبار التنفيذيين وقتاً واضحاً لتطوير المواهب باعتباره أولوية قيادية لا مهمة موارد بشرية.

تميزت المؤسسات القادرة على إنتاج قادة بثلاثة عناصر بنيوية حاسمة. فقد حددت بدقة نقاط القوة الفردية وبنت عليها خطط التطوير، وأظهرت التزاماً واضحاً من القيادات العليا بتطوير مستويات أدنى، ووفرت بيئة نفسية آمنة تسمح بالتجربة والفشل البناء. فحين ارتبط التقييم الزائد بالتطوير، فضل الموظفون "إظهار الكفاءة" بدل بنائها فعلياً.

أثبتت الخبرة أن الأنظمة تحدد المواهب لكن البشر يصنعونها، إذ حدثت أبرز القفزات القيادية في علاقات مباشرة بين قائد يرى الإمكانات ويستثمر فيها، بينما بقيت الأطر والنماذج مجرد أدوات مساندة وليست جوهر العملية.

اختتمت التجربة بأن تطوير القيادات ليس تكلفة بل استثمار عالي العائد، إذ لم يقتصر أثر القادة الناتجين عن هذا النموذج على أدائهم الفردي، بل امتد لبناء فرق متفوقة وجذب المواهب والاحتفاظ بها. ومع تراكم الأثر بمرور الوقت، أدرك التنفيذيون أن السؤال لم يعد: هل يمكننا الاستثمار في تطوير الناس؟ بل: هل نتحمل كلفة عدم القيام بذلك؟

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.