إيران وأمريكا والمجتمع المدني
رغم أن الانتخابات في إيران لا تنطبق عليها المعايير الديمقراطية السائدة في العالم، فإن الشعب الإيراني استطاع أن يفرض إرادته على السلطة لتسير في المسار الذي يكفل مصالح البلد الوطنية من خلال تعديل سياساتها وتمثل هذا التغيير بالموقف الجديد من الولايات المتحدة الأمريكية.
كان المحللون يتوقعون عدم مشاركة الشعب في الانتخابات الرئاسية الماضية بسبب الأحداث التي أعقبت انتخابات عام 2009 لكن الشعب حرص على التواجد في الساحة ليعبر عن اهتمامه بالتطورات التي تخص البلد و ضرورة التغيير من خلال التصويت لروحاني، حيث وعد بتلبية مطالب الشعب وحظي بتأييد القوى الإصلاحية في البلد لتنفيذ الوعود التي أطلقها فيما يتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية لإيران.
ومن التغييرات الملحوظة كانت التطورات التي رافقت زيارة حسن روحاني إلى نيويورك وأهمها المكالمة الهاتفية بينه وباراك أوباما بعد إعلان اتخاذ سياسة المرونة التي وصفها خامنئي بـ "البطولية" ما يؤكد إرغامه على التراجع عن تعنته وتوجهاته الديكتاتورية بواسطة قوة الشعب.
ونتيجة الانتخابات السابقة جاءت بسبب صمود ومقاومة الشعب وخاصة النشطاء السياسيين والاجتماعيين والمعتقلين، لكن الظرف الحالي الذي يعيشه البلد يختلف عن الفترة التي رافقت حكم الإصلاحيين فالتطورات الحساسة في المنطقة وخاصة سوريا والتكتلات الحادة في صفوف المسؤولين وانعدام الشرعية الداخلية والخارجية لحكم المرشد والأزمات التي حلت بالبلد نتيجة لأداء أحمدي نجاد والحرس جعلت من الصعب الوقوف أمام التنمية السياسية في إيران.
فالإرادة الشعبية وضغوطات الرأي العام والعقوبات الدولية أرغمت السلطة على تعديل سياساتها منها الموقف الجديد من الولايات المتحدة الأمريكية فالمصالحة معها تخدم مصالح البلد شرط إشراك المجتمع المدني في بناء هذه العلاقة وفي غير ذلك فإن التطور الجديد يؤدي فقط إلى خفض الضغوطات الاقتصادية وهو أمر ضروري بسبب الوضع الذي يعيشه البلد.
والعلاقة مع واشنطن تؤدي أيضا إلى خفض تدخل روسيا في الشؤون السياسية للبلد فالأضرار التي جناها الإيرانيون بسبب تدخلات موسكو كثيرة منها فرض معاهدتي " تركمان تشاي " و"كلستان" وتجزئة أراضٍ شاسعة من البلد وتعاون الجنرال لياخوف مع الشاة محمد علي القاجاري في قمع ثورة الدستور وقصف المجلس الوطني بالمدافع واستمرت الأضرار خلال العقود الماضية ونشهد حاليا هذه الخسائر تتمثل بالتعاون النووي معها في بناء محطة بوشهر النووية، حيث شكلت ذريعة لنهب ثروات البلد وبعد مرور عشرين سنة لم تنجز هذا المشروع.
الشعب الإيراني أمامه طريق طويل لنيل الحرية والقوى الغربية والمؤسسات الدولية بإمكانها مساعدته في الوصول إلى ما يطمح إليه من خلال تسهيل حصوله على تقنية المعلومات لتداول الأخبار والمعلومات في البلد الذي تحاول السلطة عزله عن العالم، حيث يشكل تداول المعلومات كابوسا للحكومات الديكتاتورية، لأنها تؤدي إلى نمو الوعي الجماعي وتعزيز المطالبة بالحصول على الحقوق التي تنتهكها هذه الحكومات.
أما الشعب الذي فرض رأيه على السلطة بحاجة إلى الاستمرار بمراقبة أداء النظام وإيجاد أجواء ملائمة للترويج إلى النقد من أجل الوقوف أمام انحراف الحكومة، وفي التطور الأخير في العلاقات بين إيران وأمريكا يحتاج البلد إلى تنمية نشاط المجتمع المدني لأنه في حال غياب دور النشطاء السياسيين والاجتماعيين لا يمكن العمل لتحسين وضع حقوق الإنسان في إيران والعمل للتنمية السياسية والاقتصادية من أجل الوصول إلى الغاية الأساسية وهي سيادة الديمقراطية في البلد.