.
.
.
.

مدن الصيف: جزيرة السطوح والجداول

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

كان هناك مكان آخر ربما أكون أول صحافي عربي يصل إليه. مثل آيرلندا كانت جزيرة الأمير إدوارد في أطراف كندا بقعة من الخضرة والمياه، إضافة إلى متاهات من الجداول والأنهر الصغيرة التي يتزاحم فيها سمك السلمون. كان قد مضى عليّ بعض الوقت في كندا باحثا عن عمل. وفكرت أنه قد يكون لي مكان في صحيفة تصدر في جزيرة نائية، وتذكرت أن للروائية الكبيرة إميلي نصر الله أشقاء هاجروا إلى الجزيرة، أكبرهم لبيب. القطار من مونتريال ثم العبارة البحرية إلى شارلوتاون، العاصمة. ولبيب نصر الله، باسما مرحبا، في الاستقبال.

عام 1977. قال لي رئيس تحرير صحيفة الجزيرة: ماذا يأتي بك إلى هنا؟ هذه جريدة مثل الجزيرة، للمتقاعدين وأنت شاب. عد إلى مونتريال. اذهب إلى المدن الكبرى وأماكن الفرص. قلت له يجب أن أبدأ من مكان ما. قال ليس من هنا، هنا لنهايات الصحافيين لا لبداياتهم. عد فورا.

عدت بذكريين: التأكد من أن الطبيعة في البشر لا تزال عارمة، نموذجها لبيب نصر الله من الكفير، والثانية إحدى أجمل بقاع الأرض. كانت الجزيرة قد اشتهرت حول العالم بسبب رواية للأطفال عنوانها «آنا ابنة السطوح الخضراء». قصة يتيمة يتبناها مزارع وشقيقته. تحولت الرواية إلى مسرحيات موسيقية وأفلام. وباع الكتاب أكثر من 50 مليون نسخة وأدخل في المناهج المدرسية حول العالم. مع الوقت صارت سمعة اليتيمة موردا وطنيا للجزيرة: صور وبطاقات وألعاب وتذكارات ومحفورات خشبية تباع تحت اسم الفتاة ذات الشعر الأحمر.

أمضيت الإقامة بين الجداول لا أصطاد السمك لأنني لا أطيق مشهد الاحتيال بالسنارة و«فرفرة» السمكة الضحية. لكن لبيب وأشقاءه كانوا يحصدون الجداول حصدا. وقد أطلقوا عليها أسماء أفراد العائلة: بركة عمي عبد الله، ساقية خالي يوسف. كان رئيس بلدية العاصمة لبنانيا ولا يزال ابنه يحتل المقعد. وهذا إنجاز هائل لأن عائلة الرئيس (زخم) ذات بشرة سمراء حادة وسكان الجزيرة أنكلوسكسوفيون شديدو البياض، أو الحمرة، مثل آنا ابنة السطوح الخضراء، وعلامة المدينة في الاهتداء. إن منزل مؤلفة الرواية الجميلة للجزيرة الصغيرة مثل الشانزلزيه لباريس ومبنى الأوبرا لفيينا. أفرحني مرة أن أقرأ مارغريت اتوود، أشهر روائية كندية، تقول إنها قرأت «السطوح الخضراء» طفلة ثم قرأتها على ابنتها وهي في الثامنة، وإن الأم والابنة، لا تزالان تقرآن هذه التحفة التي يقرأها الصغار لكي يشعروا أنهم كبروا، والكبار لكي يعودوا إلى طفولتهم.

طالما منيت النفس بالعودة إلى شارلوتاون، لا لكي أصطاد السمك في جداولها في «بركة عمي عبد الله» وإنما لتأمل روعة الخلق في الطبيعة، وروعة الخلق في طبع الإنسان، ممثلا بلبيب نصر الله. أبو داود لأبناء الجالية. إلى اللقاء.

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.