الغنامي في "سؤال مباشر".. مناقدةُ العقل الأصولي!

سعى الغنامي لتقديم رؤية نقدية لـ"العقل الأصولي"، وفض الاشتباك بين "الدين" والتفسيرات البشرية التي عرضها العديد من الفقهاء والفلاسفة والمتكلمين عبر العصور

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

أفكارٌ عدة طرحها الباحث السعودي خالد الغنامي، في الحوار الذي أجراه معه الإعلامي خالد مدخلي، 29 سبتمبر الماضي، عبر برنامج "سؤال مباشر"، الذي تبثه قناة "العربية"، حيث سعى الغنامي لتقديم رؤية نقدية لـ"العقل الأصولي"، ساعياً من خلالها لفض الاشتباك بين "الدين" والتفسيرات البشرية التي عرضها العديد من الفقهاء والفلاسفة والمتكلمين عبر العصور.

التفريق بين "الدين" وأفهام الآخرين له، أمرٌ مركزيٌ في طرح خالد الغنامي، لأن "القرآن الكريم" هو الوحي الذي يمثلُ كلامَ الخالق، فيما التفاسير التي قدمت لهذا النص هي أفهامٌ يصيبُ أصحابها ويخطئون، بحسب المناهج التي يسلكونها، والظروف التي عاشوا فيها، ومقدار العلم الذي يمتلكونه.

خالد مدخلي، سأل ضيفه عن استخدام الإسلاميين للكوارث التي تحدث بين فينة وأخرى، كالزلزال الذي ضربَ نواحيَّ مدينة مراكش المغربية مؤخراً، أو الفيضانات التي اجتاحت مدينة درنة الليبية، حيث روج بعض الوعاظ أن ما حصل نوع من "العقاب الإلهي"، بسبب الذنوب والمعاصي، وتم تداول قصص عن بيوت نجت لأن أصحابها من الصالحين!

خالد الغنامي أشار في حديثه إلى أن هذه مجرد "ظواهر طبيعية" لها تفسيرها العلمي، معتبراً أن لا مجالَ لأن تقدم تفسيرات مبنية على تكهنات ماورائية، في الوقت الذي راح ضحية هذه الزلازل والفيضانات أناسٌ أبرياء، متقون، لم يعيثوا فساداً في الأرض، فلِمَ يأخذهم الله بجريرة ذنبٍ لم يقترفوه؟

وجهة نظر الغنامي هذه تتوافق مع "رحمانية الدين"، الذي بعث الله به نبيه محمد بن عبد الله "رحمة للعالمين"، وتتناسب أيضاً مع النص الذي يقرر أن "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"، وهي وجهة نظرٍ ترتكزُ على فهمٍ أكثر عقلانية لـ"العدالة الإلهية" التي أنصف الله بها خلقه.

عندما يرفض الغنامي التفسير الديني – المتشدد للظواهر الطبيعية، فهو يعمل على فك التعارض بين الدين والعلم من جهة، لأن الأول مردهُ الإيمان، فيما الثاني قائم على البحث والتجريب والشك!

أمرٌ آخر، نقد الغنامي لخطاب بعض الإسلامويين حول الكوارث الطبيعية، يحررُ صورة الدين المختطفة، والتي قدمها المتشددون في إطار قاتم، وكأن ما ينتظر الخلقَ هو العذاب والعقابُ والوعيد، فيما جوهر الدين قائم على المحبة والمودة والرحمة التي وسعت كل شيء! وإسقاط ورقة "التخويف والترهيب" التي طالما رفعَ الإسلامويون عصاها الغليظة، سيخفف من تأثير أفكارهم السلبية على عموم الناس، وسيعطي للعقل مساحة أكثر للنقاش والسؤال ورفض التسليم الأعمى.

لم تكن حلقة "سؤال مباشر" منكبة فقط على موضوع "الكوارث الطبيعية"، بل ناقشت أيضاً قراءة الغنامي الخاصة لمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي ألف عنه الغنامي كتاباً بعنوان "عوالم ابن تيمية"، محاولاً تفكيك مواقف الفقيه الذي أثر بشكل عميق في الخطاب الإسلامي على مدى عقود، واستخدمت الجماعات المتشددة فتاواها في أكثر من عملية دموية، كان ضحاياها آلاف الأبرياء من المدنيين والعسكريين!

الغنامي يعتقد أن ابن تيمية كانت آراؤه أساساً للتفجيرات الإرهابية في العاصمة السعودية الرياض، وأيضا في حرق تنظيم "داعش" للطيار الأردني معاذ الكساسبة، وهي وجهة النظر التي أثارت حفيظة العديد من الشخصيات الإسلاموية على منصات التواصل الاجتماعي.

بقدر ما كان الباحث خالد الغنامي صريحاً في نقده لأفكار شيخ الإسلام ابن تيمية، ووجوب تجاوزها، والتخلص من إرث فتاواه المتشددة، كان في ذات الوقت منصفاً في حقه، معتبراً أن هنالك إيجابيات وسلبيات لديه، وأن هنالك جنبة صوفية في سيرته مهمة وملفتة، رغم مواقفه العنيفة!

طرح نقداني صريح كهذا، وعبر برنامج "سؤال مباشر" الذي ينالُ متابعة واسعة من قبل المشاهدين، هو بمثابة إلقاء حجرٍ كبير في بحيرة مياه راكدة، تدفع للتحرر الفكري من الجمود والتسليم غير العلميين، ويحرضُ الجيل الجديد لأن يكون قادراً على العيش باتزان وسعادة وعلمية، دون أن يشعر بضغوطٍ ثقافية تدفعه نحو العدمية والفراغ الروحي، أو أخرى تجعله منكفئاً على نفسه متوجساً من المختلف ومرتاباً منه!

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.