الفساد العدو الأخطر للثورة
عندما يُوصف نظام بأنه نظام فاسد ،وتصبح هذه الصفة رأياً عاماً، ثم ثورة تطيح بالنظام ،كما حصل في دول الربيع العربي،وخاصة ليبيا، حيث كان النظام فاسداً حتى النخاع ،فإن سقوط النظام لا يعني بالضرورة القضاء على الفساد،بل حقيقة الأمر لقد سقط النظام وبقي الفساد متفشياً منتشراً ومتغلغلاً في نسيج المجتمع وهياكل الدولة ،لا بل زاد الفساد واستشرى ،مستغلاً مساحة الحرية وأُفقها الواسع المفتوح ،وغياب الأمن ،وضعف سلطة القانون ،وفقدان المساءلة وأدواتها وأجهزتها الفاعلة ،وفوق ذلك هيمنة السلاح على أرض الواقع ،بحيث أصبحت اليد العليا لقانون القوة وليس لقوة القانون .
نحن اليوم في ليبيا الثورة نواجه فساداً زاد من حجمه ومداه، عما كان في عهد نظام القذافي ،بسبب المعطيات المشار إليها أعلاه، وهو الأن يشكل عائقاً ليس فقط أمام التنمية والتقدم الإقتصادي ،بل يشكل عائقاً يحول دون تحقيق أهداف الثورة ،وإقامة دولة القانون التي تصون الحريات وتحمي الحقوق ،وتوفر للناس الأمن والأمان والحياة الكريمة .
لقد كان الفساد قبل ثورة 17 فبراير أحد المظاهر الأساسية والشائعة للنظام السابق ،والأدهى من ذلك أنه كان مقبولا ومعترفاً به إجتماعياً ،لا يثير خجلاً ولا يشكل نقيصة ،لا بل كان مبرراً تحت مسميات مختلفة ،إلى درجة أن العمولات أصبحت تطلب علانية وتدون في العقود والمراسلات ،مما جعل مستوى الفساد في ليبيا ،وفقاً لمؤشر الشفافية الدولية لسنة 2004م ،من أعلى المستويات عالمياً وعربياً ،إذ وصل الى درجة 110 ،علماً بأن أعلى درجة فساد طبقاً لجدول الشفافية الدولية هي 140 درجة .
كما كان الفساد إحدى أهم أسلحة ووسائل النظام السابق في تدمير المجتمع الليبي أخلاقياً وإقتصادياً وسياسياً , ولكن الفساد اليوم ،بعد إنتصار ثورة 17فبراير ،أصبح منطلقاً من عقاله ،لم يعد هناك خوف ولا وجل ،فقد نمت واتسعت وزادت مظاهر الفساد عما كانت عليه في عهد القذافي ،واكتسح الفساد بكل أنواعه شتى مجالات الحياة اليومية ,وأصبح ضارباً بعمق في المجتمع الليبي بأشكاله ومظاهره المختلفة ومنها:
-1إزدياد مظاهر العصبية المقيتة المستقوية بالسلاح ،على أساس القرابة والقبيلة والعشيرة والجهة والمنطقة وحتى المدينة والحارة والشارع ،وفي ذلك تمزيق لبنيان الدولة وكيانها وتحويلها إلى كيانات مسلحة متصارعة على المكاسب والمصالح الشخصية خارج سلطة القانون .
2 - تفريخ الكتائب والسرايا والأجهزة الأمنية والثورية المختلفة خارج إطار هياكل الدولة وخارج سلطتها ،مما جعل السلاح مهيمناً على قرارات الدولة ومتحكماً بها وفارضاً الوصاية عليها .
3 - إنتشار التهريب بأنواعه المختلفة وخاصة تهريب المخدرات والكحول وتسويقها دون خوف أو وازع من قانون او خلق ودين ،وإن قضية التسمم بالكحول المثارة حالياً والتي ذهب ضحيتها أكثر من 50 حالة وفاة واكثر من 300 من الحالات المرضية المختلفة ، لهي مثال حي على مدى الفساد والإفساد الذى يجتاح المجتمع الليبي بسبب غياب سلطة القانون .
4 –تفشي الوساطة والمحسوبية والرشوة والعمولات بشكل وقح وبشع وبلا خوف من سلطة أو قانون ،وهو إنتهاك سافر لمبدأ المساواة في الواجبات والحقوق الذي جاءت به الثورة ،وهو دليل على غياب المساءلة وعدم تطبيق القوانين أو القدرة على فرضها ،والإنفلات من العقاب ،وهذا بالطبع سيؤدي إلى ضعف البناء الديمقراطي لمؤسسات الدولة ،وإلى إعاقة النمو والتقدم الإقتصادي .
5-فقدان الرقابة على الأسعار والجودة والمعايير والمواصفات الصحية ،وخاصة على المواد الغذائية ،مما يشكل تهديداً خطيراً للصحة العامة وللبيئة في ليبيا ،وإن حالة تسمم الكحول الأخيرة وما سبقها من حالات تتعلق بعدم صلاحية لحوم ومواد غذائية ،يقرع جرس الإنذار حول مدى سلامة ودقة التدابير والإجراءات المتخذة لحماية الصحة العامة في ليبيا .
6-الإستنزاف المستمر لموارد ليبيا الإقتصادية ،وإبتزاز الثورة ومؤسسات الدولة من قبل الجرحى والثوار الذين زاد عددهم أضعافاً مضاعفةً عن الأعداد الحقيقية التي قاتلت ضد نظام القذافي أو فقدت أطرافها أو جرحت خلال الثورة .
إن الحرب ضد الفساد بمظاهره وأشكاله المختلفة ،هي أصعب واخطر وأشرس من الحرب التي أسقطت نظام القذافي ،فقد سقط النظام وبقي الفساد متغلغلاً منتشراً في المجتمع وفي شرايين الدولة ومؤسساتها وهياكلها، وهو مالم تتم محاربته والقضاء عليه ،سيبقى العدو الأخطر الذي يهدد أمن المجتمع الليبي ووحدته وتقدمه وإزدهاره ،وهو قادر مالم يتم القضاء عليه،على تدمير المجتمع وإجهاض الثورة أيضاً.
ويجب أن يكون معلوماً ، أن الحرب ضد الفساد هي حرب طويلة ومعقدة ،ولن تكتمل أهداف الثورة ،ولن يتحقق الأنتصار إلا بالقضاء على الفساد الذي تتطلب محاربته تضافر جميع الجهود ،وإنخراط جميع الأطراف والجهات ،من مؤسسات وسلطات عامة ،ومجالس نيابية ومحلية ، وأحزاب ومجتمع مدني ووسائل إعلام ،وحتى المدارس والجامعات والمساجد ودور الوعظ والإرشاد ،وفق إستراتيجية واضحة المعالم ،بهدف كشف الفساد والفاسدين ،ووضع حد للإفلات من العقاب ،من خلال إجراءات وتدابير صارمة وشفافة ،وتستند إلى قوانين فاعلة ومطبقة بلا هوادة ولا محاباة ،
علينا أن ننجح في تجريم الفساد ومحاربته ،بالدرجة الأولى من خلال التوعية والتعليم ووسائل الإعلام ، وإعتباره بجميع مظاهره وأشكاله ،خلقاً دنيئاً وعملاً إجرامياً وإثمناً دينياً، يسقط مرتكبه إجتماعياً وأخلاقياً ويجعله محلاً للعقاب القانوني العادل والرادع .وهذه نقطة في غاية الأهمية من أجل تحقيق الإنتصار في معركتنا ضد الفساد ،لأن الفساد كإرث بغيض من نظام رعاهُ ونمَّاهُ وجعل منه تصرفاً مقبولاً في الحياة اليومية وفي جميع القطاعات الإنتاجية والخدمية ،وأصبح نمطاً ووسيلة للكسب المادي المعترف به إجتماعياً ولا يثير أي إستهجان أو نقد او إستغراب .
إن الفساد هو العدو الأخطر الذى على ثورة 17فبراير أن تواجهه في حرب ضروس يتوقف عليها مستقبل الثورة ومستقبل الوطن وأمنه وإزدهاره .