اختيار "الشيخ دبلوماسي" وزيراً للخارجية

بديع يونس
بديع يونس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تعوّل الدبلوماسية عموماً على شخصية موفدها، بالتوازي تماماً مع ملف البحث الذي يحمله معه إلى طاولة المفاوضات.

من هنا فإن اختيار الدبلوماسيين المكلفين بحقائب معينة يختلف من ملف الى آخر ومن قضية تفاوضية الى أخرى.

كبير الدبلوماسيين عموماً يكون وزير الخارجية، فالرئيس الاميركي مثلاً قد يعمد خلال ولايته وفي أعقاب ما يُعرف بانتخابات نصف الولاية (من ولايته الثانية), الى تغيير وزير خارجيته وفق مقتضيات السياسة الدولية والمتغيرات الراهنة في المواقف، من هنا تكون الحاجة الى تغيير "شخص الدبلوماسي".

لسان حال الانتخابات الرئاسية في إيران. المرشد الأعلى للجمهورية يبقى الرئيس الفعلي للبلاد وصانع القرار الوحيد الذي يرسم مستقبلها داخلياً وخارجياً. أما في ما يُعرف بالانتخابات الرئاسية التي تشهدها دورياً البلاد كل 4 سنوات، فهي شكلية ولا تتعدى كونها مظهراً من مظاهر الديمقراطية الغائبة في التطبيق، إذ يبقى اللاعبون ورغم اختلافهم بين إصلاحيين ومحافظين ومتشددين ومعتدلين.. يتناتشون قطعة قام آنفاً المرشد الاعلى للجمهورية علي خامنئي بخبزها.

وفي موازاة ذلك، يبقى الرئيس "المنتخب" في إيران مبعوثاً دبلوماسياً وناطقاً رسمياً باسم النظام، وعليه فإن شخصيته ومساره السياسي المذكور في سيرته الذاتية يحددان ضمناً مسار السياسة القادمة التي قرر المرشد الاعلى انتهاجها في الحقبة المقبلة.

ففي عهد "الرئيس الايراني السابق" محمود أحمدي نجاد كانت تقتضي المرحلة شخصية حادة، محافظة، تتسم بالخطابية المهيجة للرأي العام.. فكان القرار آنذاك الإتيان بشخص من "الشعب الى الشعب" (في الولاية الاولى من حكم أحمدي نجاد)، وقد كان المرشد على دراية حينها بأن المرحلة التي تُقبل عليها إيران تتطلب شخصية صارمة في الداخل الايراني ترص الصفوف لأن سياسة الاستكبار كانت عنوان تلك المرحلة من تاريخ الجمهورية الإيرانية، وطبعاً كانت العقوبات الدولية التي فُرضت, متوقعة من صانع القرار الإيراني، فقرر مواجهتها بالتجييش الإيديولوجي التصاعدي الذي وحده يحاكي قلب الإيرانيين ويذكّرهم بأمجاد الماضي ويقنعهم بنظرية المؤامرة، من قبل الغرب "الشيطان"، ووحده هذا التجييش كان ليمنع الثورة في ظل العقوبات المفروضة وتداعياتها، وقد نجح الخيار ذاك.

لكن في حينها، كانت الامور لا تزال على ما يرام.. بالنسبة للنظام الايراني القائم, إذ لم يكن هناك من ثورات بعد، ولا من أزمة لدى الجارة السورية والحليفة الاستراتيجية والسياسية.

أما اليوم فإيران باتت وحيدة.. والاختيار الأهم هو عبر تليين موقفها من دون إظهار أي انكسار، فوقع الخيار على شخصية أكثر ليونة من سابقتها، وهي تُعتبر "معتدلة" وذلك لمواجهة تحديات جمّة في المرحلة المقبلة في مسعى من المرشد لفتح نافذة جديدة في العلاقة مع دول الجوار، ومع الغرب خصوصاً في شأن المفاوضات القائمة حول البرنامج النووي الإيراني، وعندها يُنسب الموقف الجديد في السياسة الخارجية الى "الرئيس" من دون أن تتأثر العنجهية الفارسية التي يتمتع بها المرشد من حيث موقعه التاريخي بالنسبة اليه ولأبناء أمته.. ولا تُفهم على أنها "انكسار" .

وبالرجوع الى سيرة الموظف الحكومي الجديد في السلك الدبلوماسي, فإن حسن روحاني تولى منصب نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني, كما كان كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي بين عامي 2003 و2005. وفي هذه الفترة حاز على لقب "الشيخ دبلوماسي". وفي رصيده مراحل طويلة من العمل السياسي أبرزها الى جانب المرشد الأعلى في مجلس خبراء القيادة، وهي الهيئة المكلفة الإشراف على عمل خامنئي كما لايزال روحاني ممثلاً للمرشد في المجلس الاعلى للأمن القومي.

إذاً وبتعابير أخرى، فإن أياً من تصريحات روحاني الأخيرة، وأياً من قرارته التي من مقرراته المقبلة لا يمكن إلا أن تكون مصدقة من المرشد الاعلى ـ وهو أصلاً ما يفرضه الدستور الإيراني في "القضايا الكبيرة".

من هنا فإن تصريحاته التي سبقت فوزه وآخرها كان لبريد الشرق الأوسط الإلكتروني، حيث قال بصريح العبارة "إنه يعتزم" تحويل الخصومة التي تفاقمت للأسف في الفترة الأخيرة بين إيران والمملكة العربية السعودية إلى احترام متبادل وتدابير تصبّ في مصلحة الطرفين والتعاون بين البلدين لتعزيز الأمن واستعادة الاستقرار في المنطقة"، مضيفاً أن "إيران والسعودية يمكن أن يلعبا دوراً إيجابياً في التعامل مع القضايا الإقليمية الرئيسية مثل الأمن في الخليج"، وهي مقدمة لسياسة جديدة يعتزم المرشد الأعلى انتهاجها من خلال وزير خارجيته الجديد "شيخ الدبلوماسية" حسن روحاني.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط