الغرب والاحتجاجات في تركيا
فاجأت أحداث تركيا وحركة الاحتجاجات في ساحة تقسيم وحديقة “غيزي” المسؤولين الأتراك والرأي العام الخارجي . ومع أن كل الشروط كانت متوافرة لمثل هذه الاحتجاجات بعد سياسة التمييز والتضييق التي انتهجها حزب العدالة والتنمية ضد معارضية الذين لا يقلون عن نصف المجتمع، فإن العادة جرت أن يتفاجأ الحاكم، تماماً كما حصل في دول “الربيع العربي” . لذلك لم يختلف رجب طيب أردوغان كثيراً في ردة فعله بل تقييمه كذلك للوضع واعتبار أن ما جرى هو “مؤامرة خارجية” وأن من قاموا بالاحتجاجات ليسوا سوى “لصوص ورعاع ومخربين وإنكشارية”، رغم أنهم كانوا من نخبة المجتمع المدني من طلاب جامعات ومثقفين وفنانين وأطباء ومهندسين .
على كلٍ بقي أردوغان ثابتاً على توصيفه وتشخيصه لأسباب الاحتجاجات، وبالتالي رفضه لأي تنازل أمام المتظاهرين وتنفيذ أي من مطالبهم . وهذا يعني ببساطة استمرار الأزمة التي يمكن أن تخمد حيناً وتتصاعد حيناً آخر، تارة في ساحة تقسيم وطوراً في أماكن أخرى . لكن مسببات الأزمة ستبقى قائمة .
لقد مرت حكومة حزب العدالة والتنمية وأردوغان شخصياً بامتحان صعب جداً، لا يبدو أنه خرج منه بعد، بل يمكن أن تكون المحصلة حتى الآن فشلاً في اجتيازه .
وبما أن تركيا لا تزال من الدول التي تنتمي إلى عقلية دول العالم الثالث في الممارسة الديمقراطية، فإن أردوغان لم يجد حلاً للأزمة سوى تحدي المعارضة بالذهاب إلى صندوقة الاقتراع ومن يفز يفرض رأيه، وهنا صلب المشكلة . إذ إن مثل هذه النظرة تعكس قصوراً في فهم جوهر الديمقراطية وهو أن صندوقة الاقتراع لا تجيز للفائز تجاهل بل استفزاز مشاعر وحساسات المكونات المعارضة التي يتوجب أن يضمن حقوقها الأساسية المتصلة بالحريات والمساواة والاحترام دستور فوق الأحزاب والصراعات السياسية، وهو ما ليس موجوداً في تركيا .
في هذه النقطة بالذات يمكن فهم ردة الفعل الغربية العنيفة على طريقة تعامل أردوغان مع المتظاهرين . لقد أدت أحداث تقسيم إلى توسيع الهوة بين أوروبا والولايات
المتحدة من جهة وتركيا من جهة أخرى . وليس مفاجئاً أن ترتفع نبرة الخطاب الغربي ومن أرفع المسؤولين في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة منتقدة ومنددة بالعنف الذي استخدم ضد المتظاهرين ومقتل أربعة مواطنين من بينهم رجل شرطة .
إذا كانت ردة الفعل الغربية تنطلق من مبدأ ضرورة سيادة الحريات التامة والاعتراف بالرأي الآخر، فإن أوروبا تحديداً لا تخفي خشيتها وخوفها من تصاعد نبرة التشدد في خطاب الحكومة التركية تجاه معارضيها . ولعل الخوف الأكبر لدى أوروبا أنها عندما دعمت الحكومة التركية ضد نفوذ العسكر في السياسة، إنما كانت تأمل أن يساعد ذلك على أن تكون تركيا أكثر ديمقراطية . ذلك أن أوروبا هي قارة تجاور تركيا وتاريخها لا ينفصل عن مسار التاريخ التركي - العثماني، حيث الحساسيات التاريخية والدينية تشكل جزءاً من التاريخ المشترك وهو تاريخ عدائي . لذلك عندما انهارت الدولة العثمانية كان لأوروبا دور كبير في إعادة رسم حدود تركيا الجديدة جغرافياً وثقافياً، وكان من أولى ثمارها اعتماد العلمانية في النظام . ورغم الحساسيات المشار إليها غير أن أوروبا نجحت في تطويع تركيا خلال الحرب الباردة لتكون جزءاً من المؤسسات الغربية ومنها المجلس الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ووضعها في موضع الشريك لا العدو . لكن انتهاء الحرب الباردة وانكشاف شعوب ومجموعات مسلمة وذات أصول تركية في البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى أيقظ من
جديد المخاوف من عودة ظهور النزعات الدينية والعرقية المتشددة .
اليوم مع أحداث غيزي بات واضحاً الخوف الأوروبي والغربي من تصاعد النزعات الدينية والخشية من تحولها إلى نزاعات متشددة تشكل خطراً على الاستقرار في تركيا، وعلى العلاقة مع الغرب . وليس أوضح من ذلك المقارنة التي عقدها أردوغان بين الدين والتكنولوجيا عندما قال إن بسملة واحدة تعادل آلاف التغريدات على تويتر، مستهزئاً بذلك من الشباب ومن دور وسائط التواصل الاجتماعي ووضع الدين في مواجهة التكنولوجيا، وهذا بالطبع غير صحيح .
لا يمكن لأحد أن يقف بوجه القيم الثقافية لأي مجموعة بشرية، والمجتمع التركي مشبع بالقيم الإسلامية، لكن هذا لا يجيز للحاكم أن يضرب بعرض الحائط القيم التي تؤمن بها الفئات الأخرى من المجتمع من جهة، كما لا تخوّله عدم مراعاة الحساسيات التاريخية مع المحيط الإقليمي سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط والقوقاز وروسيا واليونان وقبرص، ومعظمه محيط متوجسّ من النزعات المتشددة التي تظهر دائماً في تركيا وتنعكس عدم استقرار في علاقاتها الخارجية .
إن أفضل ما يفعله أردوغان هو أن يستخلص الدروس من انتقادات الغربيين، حلفاء تركيا في المجالات كافة، وأن ينتقل إلى ذهنية جديدة في التعامل مع الآخر في الداخل، فيحقق لتركيا التماسك والتنمية ولمحيطها الاستقرار الأمني والسياسي .
*نقلا عن "الخليج" الإماراتية