الخوف علي مصر وصمام الأمان

محمد السعيد إدريس
محمد السعيد إدريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

شغلني سؤال مهم‏,‏ اعتقد أنه يشغل اهتمامات الكثيرين من المصريين وغير المصريين‏,‏ هو‏:‏ ما الذي يحرك كل هذه الملايين من المصريين للخروج والاحتشاد علي هذا النحو المبهر؟

ما الذي حدث للمصريين, هل تغيرت كيمياء هذا الشعب الذي كان يوصف بأنه شعب كسول.. ليس له في السياسة.. لا تشغله إلا بطنه أي لقمة العيش دون غيرها من الاهتمامات.

المشهد المهيب لخروج الناس بالملايين يوم الجمعة الفائت كان امتدادا للخروج الأسطوري يوم30 يونيو ويوم الثالث من يوليو, وكان أيضا امتدادا لخروج المصريين بالملايين في الأيام الثمانية عشر العظيمة(25 يناير2001-11 فبراير2001). التي استطعنا خلالها تفجير ثورة نادرة ليس لها مثيل في العالم كله هي ثورة25 يناير.

فطوال عامين ونصف العام تقريبا لم يهدأ الشعب المصري ولم يتوقف عن ممارسة الفعل الثوري بعد صمت وسكون طويلين امتد لأكثر من ثلاثة عقود, وكان آخر خروج للشعب المصري في تظاهرات مليونية يومي17 و18 يناير عام1977 احتجاجا علي الغلاء وسوء الأوضاع المعيشية, وبعدها امتلك النظام الحاكم( أنور السادات وحسني مبارك) ناصية الدولة التسلطية المفرطة في استخدام العنف والاعتماد علي الأجهزة البوليسية لقمع الشعب وإجباره علي الصمت, لكن ما اعتقدوه صمتا كان شيئا آخر كان تكوينا جنينيا ثوريا أخذ يكبر في أحشاء هذا الوطن العظيم إلي أن تفجر ثورة, وهذا يعيدنا إلي جوهر السؤال الذي طرحناه: ما الذي دفع وما الذي حرك الشعب المصري إلي تفجير ثورته؟
هذا السؤال شغلنا كثيرا نحن المجموعة الصغيرة من أبناء مصر التي أسست وقادت حركة كفاية ابتداء من نوفمبر2004: بدأنا بالسؤال مصر إلي أين( مصر رايحه فين؟) وانتهينا بسؤال: كيف يمكن تحريك الشعب بفعل ثوري لإسقاط النظام؟ وأسسنا لجنة لهذا الغرض حملت اسم لجنة ثقافة التغيير التي تشرفت بأن أكون رئيسا لها. وكان الشغل الشاغل لهذه اللجنة هو محاولة الوصول إلي النموذج المصري الأكثر فعالية لتفجير الثورة, والذي يجب أن يخرج من صميم تكوين الشخصية الوطنية المصرية حتي يكون ناجحا وهذا هو الشرط الذاتي للنجاح. وفي محاولتنا للوصول إلي هذا النموذج كنا نسأل ما هو الشئ الذي يمكن أن يفجر ثورة المصريين: هل الديمقراطية, أم الأزمة الاقتصادية, أم القضية الوطنية والقومية مثل الضغوط الأمريكية, والاعتداءات الإسرائيلية علي الشعب الفلسطيني, والحرب الأمريكية علي العراق. لكننا لم نصل إلي عمق الإجابة التي تمتد جذورها عميقا في التكوين الحضاري والتاريخي للمصريين وهي: الخوف علي مصر كما وصل إليها الشعب المصري بفطرته المذهلة.

نعم الخوف علي مصر هو الذي يعلو فوق كل اعتبار عند المصريين, عندما تتعرض مصر للخطر, وعندما يدرك الشعب ويعي أن مصر في خطر, يهون عنده كل شئ, ويخرج علي النحو الذي خرج به في ثورة25 يناير وثورة30 يونيو, وما حدث يوم26 يوليو( الجمعة الماضية) كان ذروة هذا الإدراك.. مصر في خطر.

دليلنا علي ذلك أن هذا الخروج الملاييني للمصريين اقتصر, وعلي مدي السنوات الممتدة منذ ثورة23 يوليو1952 وحتي الآن علي الأحداث التي كانت تمثل تهديدا لمصر وخطرا عليها ابتداء من العدوان الثلاثي عام1956 ثم الخروج الشعبي المليوني لرفض نكسة1967 ورفض تنحي الزعيم جمال عبد الناصر, ثم الخروج المليوني في جنازته, وباستثناء انتفاضة يناير1977 ظل الشعب المصري ساكنا صامتا متحملا ضغوطا معيشية هائلة من أجل أن تبقي مصر مستقرة وآمنة, لكنه انفجر ثائرا في25 يناير2011 عندما أدرك عن يقين أن بقاء نظام حسني مبارك خطر هائل علي مصر.

وكما فجر الشعب المصري ثورته في25 يناير لإسقاط نظام الاستبداد والفساد والتبعية, فجر ثورته في30 يونيو2013 لإسقاط نظام الإخوان عندما أدرك المصريون أن مصرهم باتت في خطر مع بقاء هذا النظام الذي اختطف ثورتهم وجدد اختطاف بلدهم, كما سبق أن اختطفها نظام حسني مبارك ووضعها رهينة في أيدي أعدائهم.

المعلومات المحدودة التي تسربت للمصريين, عبر وسائل الإعلام, عن الضغوط الهائلة التي تمارسها الإدارة الأمريكية مدعومة بأطراف عربية ودولية أخري علي القيادة المصرية, وبالذات القيادة العسكرية وشخص القائد العام للقوات المسلحة المصرية الفريق أول عبد الفتاح السيسي كي يتراجع عن خريطة الطريق التي استفتي الشعب عليها بالملايين ليلة3 يوليو2013, والصمود الأسطوري لهذا الرجل في وجه كل هذه الضغوط دفاعا عن كرامة وعزة وتاريخ بلده وشرفه العسكري هو الذي حفز كل هذه الملايين كي تخرج وتقول نعم لمواجهة الإرهاب ولا للتدخل الأمريكي في شئون مصر الداخلية.

أدرك المصريون أن بلدهم في خطر وأن ثورتهم في خطر وأن الثورة التي فجروها يوم30 يونيو لم تأت علي الهوي الأمريكي وأنها أفشلت كل ما كانت تخطط له الإدارة الأمريكية في مصر ووطننا العربي متحالفة مع حكم الإخوان المسلمين , وأن كل هذا الجنون المستحكم بالإدارة الأمريكية لاسترجاع حكم الإخوان هدفه ودوافعه استعادة الهيمنة الأمريكية علي مصر, ولذلك خرجوا بالملايين وقالوا نعم لـ: السيسي الذي يتلقي اللعنات الإخوانية, ورفعوا صوره بجانب الزعيم جمال عبد الناصر في مشهد له دلالاته ومغزاه يوم26 يوليو الذي توافق مع تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس.

خروج الملايين خوفا علي مصر لا يكفي لحمايتها من الخطر بل يجب أن يكون لنا مشروع وطني يربط ثورة25 يناير بأهدافها: العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية, بالهدف الأهم لثورة30 يونيو والخروج العظيم يوم26 يوليو وهو هدف الاستقلال الوطني ورفض الهيمنة والتبعية. فأهداف العيش( بمعني الحياة وليس مجرد رغيف الخبز), والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية لن تتحقق دون الاستقلال الوطني, والاستقلال الوطني لن يتحقق دون عيش وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية حرية وكرامة المواطن مع حرية وكرامة الوطن, وهذا هو صمام الأمان لحماية مصر من كل المخاطر والتهديدات.

نقلاً عن "الأهرام" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط