ووهب الأسد الأكراد مالايملك!
فجأة آلاف من أكراد سوريا تدفقوا في منتصف أغسطس الحالي عبر منطقة فيشخابور في محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق قادمين من محافظات شمال شرق سوريا, سيراً على الجسر العائم فوق نهر دجلة. تلك الآلاف المؤلفة من أكراد سوريا بأطفالهم ونسائهم لم تكن تتوقعها حكومة الإقليم ولا الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية المعنية بالإغاثة الإنسانية حتى وقت قريب, ورغم أن بعض المحللين يعزون السبب إلى اشتداد المعارك بين البشمركة الكردية في سوريا وبين جماعات مسلحة تنتمي الى تنظيمي جبهة النصرة ودولة العراق وبلاد الشام التابعتين لتنظيم القاعدة إلا أن هناك أسبابا أخرى قد تتكشف, أسباب تتعلق بالقضية الكردية التي بدأت تقطع شوطها بخطى أسرع بمرور أيام سوريا الثقيلة المثخنة بالجراح.
وربما كان الشعور العام لأكراد سوريا من خلال قراءة الأحداث في بلدهم والمنطقة يضاف الى ذلك المعارك التي ازدادت شراسة في مناطقهم مؤخرا قد دفعهم الى هروب جماعي للاحتماء ببني جلدتهم في إقليم كردستان وليجعلوا العالم يرى أن هناك أزمة إنسانية كردية أخرى كتلك التي حدثت عام 1991 تحتاج الى حل قد يكون منفصلا عن الحل الشامل في سوريا, بعد أن بقوا وحيدين في مناطقهم يدفعون عنهم هجمات الجماعات المتشددة, وبعد أن رأوا أن النظام لم يعد له وجود هناك منذ أكثر من عام.
رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني تحدث صراحة في العاشر من أغسطس عن إرسال مبعوثين من حكومة الإقليم الى المناطق الكردية في شمال شرق سوريا للتحقق من تقارير عن مقتل مدنيين على يد مسلحين متشددين فيما يشبه التطهير العرقي, ولم يخف رغبة أكراد العراق في التدخل عبر الحدود نحو سوريا من أجل حماية بني جلدتهم هناك. بارزاني, باعتباره رئيس الإقليم الكردي الوحيد المتمتع بشبه استقلال في المنطقة وانطلاقا من تاريخه في العمل من أجل القضية الكردية, يرى أنه من واجبه التحرك لإنقاذ أكراد سوريا بعد أن أصبحوا هدفا سهلا لجبهة النصرة وغيرها حيث يغيب التكافؤ في التسليح والتدريب بينها وبين وحدات الحماية الشعبية الكردية, وفي ظل انسحاب قوات النظام من مناطقهم.
لماذا سحب بشار الأسد قواته من المناطق الكردية؟
في شهر مارس/آذار الماضي توقع بشار الأسد قرب قيام دولة كردية تجمع كردستان العراق بكردستان سوريا... أمر غريب! فلا بشار ولا والده حافظ الأسد تحدثا خلال ما يقرب من أربعين عاما عن حقوق الأكراد السوريين أو حتى عن منحهم حكما ذاتيا صوريا كالذي منحته بغداد لأكراد العراق بداية السبعينات من القرن الماضي عندما كان مصطفى البارزاني يقود النضال الكردي في المنطقة, فلماذا أصبح واقعا كما يراه الأسد؟
رئيس النظام السوري تحدث بارتياح خلال اجتماعه في دمشق بوفد من حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض, جلهم من الأعضاء العلويين, والذي لم يكن اللقاء الأول, عن لقاءات بين أكراد شمال سوريا وأكراد شمال العراق, وأن إعلان الدولة بات مسألة وقت لا أكثر. مثل تلك التصريحات التي لم يذكر فيها أكراد حليفته إيران, لابد أن يكون هدفها التشفي بتركيا والانتقام منها لموقفها في مساندة الثورة السورية ودعمها الجيش السوري الحر, وربما من باب (عليه وعلى أعدائي), بعد أن سحب قواته النظامية من المناطق الكردية شمال شرق سوريا منتصف عام 2012 لتحل محلها قوات بشمركة كردية سورية, ويعلم الأسد أن أي حركة انفصالية في تلك المناطق ستسبب صداعا شديدا لأنقرة.
هل تقف أحزاب كردية سورية في صف الأسد؟
تصريحات بشار الأسد لاتسمن ولا تغني من جوع بالنسبة لأكراد سوريا, فهم يعلمون أنه في هذه المرحلة العصيبة آثر سحب قواته لاستخدامها في محافظات مشتعلة أخرى ما يعكس عدم اكتراث بالمناطق الكردية وليترك الأكراد مع النصرة وبلاد الشام والعراق ليقتلوا بعضهم بعضا, وحتى لو كان أحد الأحزاب الكردية قد وقف الى جانبه في مرحلة سابقة فإنه يعلم جيدا أن الأحزاب الكردية في الدول الأربع, سوريا والعراق وتركيا وإيران, تقف الآن في خندق واحد بغض النظر عن توجهاتها وإيديولوجياتها, خاصة في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية , وأن جميع تلك الأحزاب بمختلف مشاربها تستعد لعقد المؤتمر الكردي العام في أربيل في وقت قريب, وهو يعلم أن الأكراد قد حسموا أمرهم في توحيد صفوفهم في الدول الأربع ليتفقوا على خطاب قومي موحد يشير بوضوح الى مسألة تقرير المصير وإقامة الدولة الكردية بعد عقود من الظلم والتغييب والتهميش والترويع.
وإن كانت لتركيا أردوغان تفاهمات مع أكرادها وأكراد العراق وسوريا, فإن الدولة الوحيدة التي تغرد خارج السرب الآن هي إيران بعد أن وضعت أذنا من طين وأذنا من عجين تجاه القضية الكردية, أما حليفها بشار الأسد فقد وهب الأكراد ما لايملك.