الديمقراطية بين التحولات والتحديات

روزماري ديفيس
روزماري ديفيس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية الذي يُقام هذا العام تحت شعار "تعزيز الأصوات من أجل الديمقراطية"، تؤكد المملكة المتحدة أهمية القيم الديمقراطية وتأثيراتها المتنامية على كافة الصعد.

موضوع هذا العام ضروري لنجاح الديمقراطية على الأمد البعيد، فعلى جميع المواطنين أينما وجدوا أن يدركوا ويفهموا جيداً حقوقهم وواجباتهم فهماً كاملاً، فلا يمكن أن تظهر ثقافة ديمقراطية مستدامة إلا من خلال وجود أجيال واعية تدرك أهمية أصواتها وفاعليتها في التأثير في صنع القرارات التي تطالهم وتمسّ مستقبلهم. وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة: يجب أن تُسمع أصوات الأجيال الشابة، ويكون لها دور في صُنع القرار الذي يحقق مكاسب وطموحات هذه الفئة، والتي هي ليست بصغيرة في المنطقة.

في الآونة الأخيرة، كثرت التساؤلات حول الأجواء التي سادت جلسة مجلس العموم البريطاني، في أعقاب عملية التصويت في 29 أغسطس/آب، حول وجوب التدخل العسكري في سوريا أو عدمه. من دون شك، جاءت النتيجة مخيّبة بالنسبة للحكومة التي أثارت من استباحة نظام الأسد للأسلحة الكيماوية قضية أخلاقية وقانونية واضحة تبرر التدخل العسكري في سوريا، انطلاقاً من اعتقادها الراسخ بأنه لابد أن يكون هناك رد قوي ورادع من المجتمع الدولي حيال الاعتداء الكيماوي المروّع في الغوطة، وأنه يجب اتخاذ خطوات فاعلة تحول دون تكرار ذلك. لكن البرلمان قال كلمته وعبر عن موقفه الرافض للتدخل العسكري، الأمر الذي عكس تحفظات الرأي العام البريطاني الحذر من الانجرار إلى تدخل عسكري أجنبي آخر، بعد العراق وأفغانستان.

هذه الحرية في التعبير إنما تمثل إحدى ركائز الديمقراطية الأساسية في بريطانيا، والتي تركز على ضرورة التشاور والإصغاء والتصرف وفقاً لذلك. إنها المقومات التي تأسس عليها مجتمعنا، وهي ما تجعلنا أقوياء، فحكومة المملكة المتحدة يتم انتخابها من قبل الشعب، من أجل الشعب، وهذا ما يجعل من احترامنا وجهة نظره أمراً محقاً بالكامل. كثير من المتتبعين لجلسة البرلمان في بلدان أخرى، أبدوا تقديرهم لاستعداد الحكومة إقامة مناقشة مفتوحة، لإتاحة الفرصة أمام كل عضو في البرلمان، أياً كانت آراؤه وانتماءاته، الوقوف والتعبير عنها صراحة، وعليه، تقوم الحكومة بضبط وتعديل مسار عملها. هذا المشهد الديمقراطي استوقف الكثيرين، وهو يمثل نموذجاً يحتذى به.

تأتي هذه التطورات في سياق سرد أوسع نطاقاً بشأن الإصلاح السياسي. في الشرق الأوسط، شهدنا بالطبع شعوباً من كل حدب وصوب تنادي بمزيد من الحرية في التعبير، والحق في تقرير المصير. إن نهمها المتزايد إلى ديمقراطية حقيقية يتمثل في إحداث تغيير سياسي واقتصادي جذري في المنطقة، بلغ أوْجه اليوم، رغم التحديات التي تواجهها من دون شك، لكن التغيير الديمقراطي ليس حدثاً ما، إنه مسار، لا بل مخاض صعب وشائك. التغيير الإيجابي المستدام عملية طويلة تستغرق وقتاً وربما جيلاً كاملاً كي تبصر النور.

الظروف باتت شبه مهيأة في الدول التي تشهد مرحلة انتقالية، لكن الأمر يتطلب أولاً إرادة صادقة وعزيمة قوية لدى الحكومات لتطبيق إصلاحات ملموسة تلبي تطلعات واحتياجات شعوبها.

الديمقراطية تستوجب العمل على ترسيخ "المواطنة المتساوية" في الحقوق والواجبات، وإطلاق الحريات العامة التي تشمل التعددية وحرية الرأي والتفكير والتعبير والنشر والتجمع وتشريع قيام مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني المستقلة عن المجتمع السياسي، وإرساء استقلال القضاء، وتحقيق المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات. هذه الحقوق الأساسية رغم الإخلال بها وانتهاكها في الكثير من الحالات، تدخل في صلب العملية الديمقراطية بل وتشكل جوهرها.

المطلوب في هذه المرحلة هو الحوار المجتمعي المفتوح حول وضع دستور ينظم الحياة ويفضي إلى الديمقراطية، فالانتخابات وحدها لا تخلق مجتمعاً حراً وديمقراطياً، كما رأينا بالفعل في هذه المنطقة، وليس هناك من وصفة طبية سحرية أو نموذج مقولب للديمقراطية في الشرق الأوسط. وكما نقيّم في بريطانيا مبدأ وجوب إصغاء الحكومة إلى مطالب ورغبات شعبها، باحترام آراء ممثليه المنتخبين ديمقراطياً، كذلك نعتقد أن كل بلد في الشرق الأوسط يجب أن يعمل على تطوير وتصميم نموذجه الديمقراطي الخاص وفقاً لتاريخه وتقاليده وثقافته.

التغيير في المنطقة تقوده شعوب المنطقة، وليس من شأن المجتمع الدولي أن يملي عليها الحلول. المملكة المتحدة تلعب دوراً حيوياً في تشجيع عملية الانتقال الديمقراطي عبر حزمة من الأفكار القابلة للحياة والتطبيق: تحقيق مبدأ الشفافية في العلاقة بين مختلف مكونات الدولة الواحدة، وتثبيت أسس الحكم الرشيد، وتوسيع قاعدة المشاركة في القرار السياسي، وتمكين المرأة، وخلق بيئة قانونية ضامنة للحريات وحقوق الإنسان، وتحقيق الازدهار الاقتصادي من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

* المتحدثة الرسمية باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط