آفاق الحل السياسي في سوريا
أطلق الرئيس الأمريكي باراك أوباما مواقف مهمة قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة . أكد أنه لا يريد الخوض في حرب جديدة مع استعداده الدائم للقيام بعمل عسكري تحقيقاً للأهداف المعلنة في سوريا وإيران . أولوية الحل الدبلوماسي والسياسي خاصة في موضوع نزع السلاح الكيماوي في سوريا لا تعني اللعب على الوقت والمراوغة في التنفيذ . كان الرئيس حاسماً في ما خص سوريا عندما خاطب حليفيها الروسي والإيراني بالقول إن لا عودة بالوضع إلى ما قبل اندلاع الثورة السورية .
من جهة إبران كان هادئاً منفتحاً على الحوار لمعرفته أن إيران لم تقترب بعد من إنتاج سلاح نووي . لكنه أشار إلى أن التعامل معها لن يكون كما التعامل مع سوريا . سياق الكلام يعني أن اقتراب إيران من إنتاج سلاح نووي يقطع الطريق على أي تفاوض . بالمقابل أكد أنه لا يريد إسقاط أو تغيير النظام الإيراني لكنه يسعى إلى الإجراءات التي تمنعها من التحول إلى قوة أمنية إقليمية تهدد دول المنطقة .
في ترجحات الموقف الأمريكي أعاد الأمريكيون التأكيد على ضرورة اتخاذ قرار قوي في مجلس الأمن لتنفيذ الاتفاق على نزع السلاح الكيماوي من سوريا . ولقد تراجع الروس عما سبق أن أعلنوه عن رفضهم اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح باستخدام القوة لتنفيذ القرار .
فقد أعلن نائب وزير الخارجية الروسية عن موقف جديد يقترب من الموقف الأمريكي لجهة تضمين القرار الدولي ما يؤكد على اتخاذ إجراءات عملية قوية ضد سوريا في حال تخلفها عن تنفيذ التزاماتها .
لن يكون ممكناً لسوريا أن تتلكأ أو تماطل أو تعرقل تنفيذ القرار الدولي، لكنها ستكون أمام مسار لعملية نزع السلاح الكيماوي معقدة ولها متطلبات ليست محصورة بالجانب التقني . فهناك الحاجة إلى ضمان أمن المفتشين، وإلى إيجاد نوع من البيئة الأمنية الملائمة التي يفترض أن تكون مصحوبة بوقفٍ لإطلاق النار، وربما عليها أن تسمح لنوع من القوى العسكرية القادرة على تنفيذ هذا الاتفاق .
صحيح أن المجتمع الدولي كله أكد مؤخراً ضرورة الحل السياسي واستحالة الحل العسكري في سوريا، لكن هذا الإعلان لا يعني نفس الشيء بالنسبة إلى جميع الأطراف . يشجع المجتمع الدولي كما قال أمين عام الأمم المتحدة جميع الأطراف على المشاركة في مفاوضات “جنيف 2” من دون أن نكون أمام خريطة طريق واضحة ولا جدول أعمال معلن ولا معرفة مسبقة بالأطراف المشاركين . عملية “جنيف 2” للحل السياسي دونها مسار طويل من التفاهمات التي يشترك فيها غير الأمريكيين والروس . فقد بدأت عملية حوار غير معلن بين الإيرانيين والأتراك والعراقيين . وهناك إشارات صريحة لفتح صفحة من الحديث السياسي بين إيران والمملكة العربية السعودية . إلا أن مثل هذه التفاهمات تحتاج إلى بناء ثقة مفقودة وإلى تقديم تنازلات جوهرية من الأطراف لتسهيل الحل السياسي . وفي مقدمة الأهداف التي تساعد على ذلك انحسار المواجهة المسلحة على أرض سوريا وتدخل أطراف الخارج . أشار الرئيس الأمريكي مباشرة إلى دور “حزب الله” العسكري في سوريا في لقائه مع رئيس الجمهورية اللبنانية . سيكون الحل السياسي في سوريا مدخلاً إلى ما هو أبعد منها كالدور الإقليمي الإيراني مثلاً . كذلك يعرف الأمريكيون الحاجة إلى التقدم على المسار الفلسطيني . فهذه الملفات مترابطة وتتداخل فيها جميع الأطراف . على هذا المستوى مازال “جنيف 2” مجرد خطوة أولى للتفاوض السياسي واختبار لمستوى استعداد الأطراف إلى الخوض في الحل السياسي وفي المقدمة منهم إيران وهي الجهة الفاعلة في ملفات المشرق العربي . أما صورة الحل السوري فبدأت تتمظهر أكثر على شكل صيغة لمرحلة انتقالية تمثل جميع الأطراف بما في ذلك النظام طبعاً نحو سلطة مركزية تضم مكونات الشعب السوري . المسألة هنا ليست مسألة أحجام قوى . ذلك أن مجرد الخوض في هذه التسوية يعني كما قال الرئيس الأمريكي إن سوريا ما قبل الثورة ليست كما بعدها .
*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية.