عن القمة اللبنانية - السعودية
في مرحلة التحولات الاستراتيجية التي تعصف بالخريطة السياسية للمنطقة، وفي حين يحتدم الصراع على محاور إقليمية متخذاً ابعاداً تتجاوز الطموحات الى إثارة الضغائن الطائفية والمذهبية، ومع استمرار المذبحة في سوريا ومحاولات تنشيط المساعي الديبلوماسية الدولية لمعالجة العقد الاقليمية الثلاث [الازمة السورية والملف النووي الايراني والقضية الفلسطينية] جاءت زيارة الرئيس ميشال سليمان الى السعودية بمثابة اعلان حازم وضروري عن اربعة أمور:
اولاً - ان الدولة في لبنان لم تنتهِ ولن تنتهي، كما يريد ويعمل الذين ينكّلون بها سياسياً وأمنياً وقانونياً، هؤلاء الذين امتهنوا هيبتها ويدمرون مؤسساتها ويفرضون عليها بالقوة، ما يوافق مصالحهم المرتبطة برهانات خارجية واهمة على انقلاب في الموازين الاقليمية، وهو ما يمكن ان يدمر اذا استمر الثوابت الوطنية التي قام عليها لبنان!
ثانياً - ان السعودية دولة محورية في المنطقة ولها ثقلها الاقليمي والدولي، وانها في زمن التحولات الاستراتيجية ستزداد قوة وتأثيراً، بعكس ما يستعجل البعض قراءته الواهمة في المواقف الاميركية، سواء في ما يتعلق بمسار الازمة السورية ومؤتمر جنيف، أو في ما يتعلق بالملف النووي الايراني وبالترابط العميق بين المسارين، وكذلك بمسار المفاوضات لحل القضية الفلسطينية.
ثالثاً - ان للسعودية دورها التاريخي الحريص على لبنان واستقراره وامنه، ولا داعي للتذكير لا بمساعداتها وأبرزها كان رداً على العدوان الاسرائيلي صيف 2006، ولا بسهر قياداتها على حل مشاكله منذ اتفاق الطائف الى اليوم، وخصوصاً ان خادم الحرمين الشريفين متمسك باعتبار لبنان "مقلة العينين".
رابعاً - الدولة اللبنانية التي لم يسقطها الاحتلال السوري الطويل وإن كان ألغى دورها، والآن بعد خروج سوريا وانغماس نظامها في الدماء والتدمير، لن يكون في وسع حلفائها ان يسقطوا هذه الدولة ولو تمكنوا من استباحتها وتعطيلها، وما سمعناه من كلام ينتقد زيارة سليمان الى السعودية، وخصوصاً من جبل محسن وغيره ليس اكثر من اصوات اقرب الى التهويش من المسؤولية، فعند المفترقات السياسية الكبيرة التي تعيد ترتيب الوضع الاقليمي من خلال حل استراتيجي يربط بين خيوط المسار السوري والمسار الايراني نووياً [وسلوكاً اقليمياً] والمسار الفلسطيني، يأتي الاعتراض على هذه الزيارة الضرورية والمهمة بمثابة إعلان ضمني عن يأس هؤلاء، فالدولة في لبنان باقية وستستعيد هيبتها، والدور المحوري السعودي ثابت وحرصه على لبنان واللبنانيين، سواء كانوا هنا او في المملكة، لن يتغير أبداً!
على الذين يظنون ان الخريطة السياسية للمنطقة انقلبت رأساً على عقب لمجرد تغيّر المقاربات الاميركية، عدم الاستعجال الى درجة الافتراض ان زيارة سليمان هي لمجرد درس عقدة تشكيل الحكومة، فالعقدة هنا ونحن في زمن البحث عن حل لعقد أنظمة التخريب التي طالما خلقت مشاكلها الداخلية وعقّدت حلول المشاكل الاقليمية!
*نقلا عن صحيفة "النهار" اللبنانية