كي لا يُقتل الحسين مرتين
كنتُ أشد الرحال بين الفينة والأخرى، في العام 2004، متجها من العاصمة اللبنانية بيروت، إلى ريف دمشق، حيث ضريح السيدة زينب بنت علي ابن أبي طالب. وسط حشد من الزوار والمقيمين، الذين كان بينهم عدد من الأصدقاء والخلان.
وقتها كان سطح إحدى العمائر القريبة من "الحرم" مجلسنا، فيه يلتقي جمعٌ من الشباب الذين يحملون أفكارا وتوجهات مختلفة، فيدور رحى الحديث فاتحا الأفق على نقاشات جريئة، لا خطوط حمر فيها، تسمع فيها الآراء المتضادة، من دينية محافظة وليبرالية منفتحة.
في إحدى الليالي، كان ضيفنا السيد مرتضى الشيرازي، نجل المرجع الراحل السيد محمد. الشاب الذي حضر متشحا بإرث مرجعية والده وأجداده، كان يتحدث عن قناة "الأنوار" الفضائية، والتحضيرات التي سبقت إطلاقها، وما واجهه فريق العمل من صعوبات، كان بينها إيجاد بديل لـ"الموسيقى المحرمة"، وكيف أن الله عز وجل وفق الكادر المختص لاجتراح بديل مناسب، بعد أن ضاقت بهم السبل.
السيد الذي كان يقول إن "الأنوار" ستمثل الفكر الشيعي، وتطرحه دون انتماءات حزبية أو مرجعية، لم يدر في خلده أن شابا بين الحضور سيواجهه بتعليق، قائلا: إن الموسيقى مسألة لا اتفاق بين الفقهاء على حرمتها، وإن بالإمكان الأخذ بآراء من يبيح الاستماع للموسيقى من مراجع الدين، خصوصا أنها قناة لا تمثل رأيا فقيها محددا. استهداء بسيرة الإمام جعفر الصادق، الذي يقول ما عرض عليَّ أمران إلا واخترت ما فيه لله رضى وأيسرهما. ليستطرد الشاب قائلا، إن العمل على إطلاق قناة هي مسألة تقنية بحتة، لا دخل لـ"الغيبيات" والعناية الإلهية فيها!. وهو الجواب الذي لم يعجب سليل آل الشيرازي، وأشاح بوجهه عنه.
السيد مرتضى الشيرازي، الذي كان لنا سبقٌ في النقاش معه، والرد على بعض ما طرح، هو اليوم واحد من رموز تيار شيعي شعبوي آخذ في التمدد، يقوم على الغلو في الاعتقاد بمقامات آل بيت النبي محمد (ص)، وإسباغ صفات "فوق بشرية" عليهم، مقتربا لما كان يعرف تاريخيا بتيار "المفوضة". وهو تيار تعرض لنقد شديد من علماء الشيعة الأوائل، كونه يقوم على نظرة "غيبية غرائبية" لذات الأئمة الإثني عشر، مضفيا عليهم صفات نفاها الأئمة عن أنفسهم، ونهوا أصحابهم عن القول بها. فهم كما يقول رجل الدين الإيراني محسن كديوَر "علماء أبرار، ومجاهدون أتقياء".
بالعودة إلى الشيرازي سابق الذكر، وتياره العقدي اليوم، فإن الملاحظ أن ثمة تحالف بين ثلاث تيارات مختلفة في المشارب، إلا أنها متقاربة في رؤيتها "العقدية" المغالية، وهي: الشيرازية الكلاسيكية، السلفية الشيعية، والشيخية. على الرغم من الاختلاف في كثير من التفاصيل وطرائق التعبير بين المدارس الثلاث، إلا أنها تتفق على التالي:
1- المغالاة في تعظيم آل بيت النبي محمد (ص)، وإسباغ قدرات "فوق بشرية" عليهم، تخالف في كثير منها صريح القرآن والسنة النبوية، وتتعارض مع أحاديث الأئمة، ويدحضها صريح العقل، والطبيعة البشرية الأئمة ذاتهم.
2- الاغراق في الماضي، والتركيز على مواضع الخلاف مع المدرسة السلفية السنية تحديدا. واعتبار قضية الإمامة والخلافة ومظلومية آل البيت، مواضع رئيسة تمثل وتد "التشيع" وقطب رحا.، متناسين أن التشيع هو امتداد للإسلام المحمدي، وأنه جاء حركة تحريرية للروح والعقل من التبعية والتقديس، تقوم على الاجتهاد الدائم، لا التقوقع في كتب التراث، والعيش بين طياتها.
3- المبالغة في إحياء الشعائر والطقوس المتعلقة بمناسبات وفيات آل البيت، وتحديدا عاشوراء الإمام الحسين بن علي. وهي المناسبة التي أُحيطت بـ"حالة من الأمور الغيبية، بحيث إن المؤمن عندما يواجه هذه الحادثة فإنه يرى حادثة فوق تاريخية وغارقة في ضباب الغيب"، كما يقول د.عبد الكريم سروش في كتابه "السياسة والتدين". إلا أن الإِشكال تجاوز حدود الغيب والغلو، إلى أن استحال خرافة وما يشبه "الخزعبلات" و"الدروشة"، تمظهرت في سلوكيات مثل: الضرب بالسلاسل المدمية على الظهر، والتطبير (شقُ الجبين بالسيف وإدمائه)، والمشي على الجمر.. وهي التصرفات التي منحت هالة "قدسية"، وأضفى عليها صبغة "دينية" زائفة، لا تمت إلى الدين بصفة، بل على العكس، فهي تناقض صريح الدين وتشوهه، ولا أساس منطقي عقلاني لها، وإنما مبعث على السخرية، وتفريغ لنهضة الإمام الحسين بن علي من بعدها الروحي والفكري!.
بناء على ما تقدم، استحال الخطاب الديني لدى شريحة من المؤمنين الشيعة، إلى خطاب "تخديري"، يعلي من شأن الطقوسية الجوفاء، ويعطل العقل الذي هو أساس الاجتهاد، وركن البنيان الآهوتي الذي شُيد عليه منظومة القيم الأخلاقية والعقدية التي بنت صورةً وقراءةً خاصة للإسلام النبوي في مراحله التاريخية وتمظهراته البشرية، تجلت تاليا فيما عرف بـ"التشيع".
إن التشيع طوال تاريخه كان حركة تزاوج بين الثورة والعقل، ولذا كان يشكل الخطاب النقداني للسائد من خطابات دينية وسياسية، وهو بذلك استطاع أن يكون خزانا حقيقيا لكثير من الحركات والفرق الإسلامية التي تطورت منه، واستقلت بذاتها، وشكلت قراءة مختلفة للإسلام التاريخي.
إلا أن ما يبرز الآن على سطح المشهد، يدعو للسؤال عن سبب رواج "التشيع الطقوسي"، والعوامل التي أدت إلى أن يتقدم الصفوف، بعد أن كان متواريا؟.
يمكن القول، إن الإجابة على السؤال أعلاه، ليست بالأمر اليسير، فهنالك عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ومذهبية متداخلة، أدت جميعها إلى بروز "السلفية الطقوسية الشيعية"، يمكن سرد أبرزها في التالي:
1- سياسيا، كان لسقوط نظام صدام حسين في العراق 2003 واستلام تيارات سياسية شيعية في العراق، أثر في بروز "المكبوتات" في المجتمع العراقي الشيعي تحديدا، الذي كان يعاني من قمع سياسي ومذهبي. وهي المكبوتات التي ظهرت في أكثر صورها "تطرفا"، عبر ممارسات مبالغ فيها للشعائر الحسينية كـ"التطبير"، والإيمان بالـ"الغيبيات" و"المنامات"، وهي وإن كانت تمظهرات لا عقلانية، إلا أنها تأتي "شبه طبيعية" في مجتمع عاش سنوات محكوما بالحديد والنار، وعانى ويلات الحروب والقتل.
وللوصول لتفسير أكثر علمية، فإننا بحاجة لقراءة "سسيولوجية" للمجتمع الشيعي في عراق ما بعد صدام حسين. إلا أن غير الطبيعي، أن تنتقل هذه الممارسات كما هي لمجتمعات أخرى، لم تعش الظرف العصيب الذي عاشه شيعة العراق.
2- المشهد العراقي المبين في النقطة الأولى، تم تعميمه على المجتمعات الشيعية في الجوار العربي، وذلك من خلال الفضائيات الدينية، التي راحت تتكاثر في الأثير بشكل عشوائي. وهي قنوات أخذت تمارس في كثير منها سياسة "تجهيل وتسطيح". وعوض أن تعزز من المعرفة الدينية المتناسبة مع العصر الحديث، راحت تنقل خطبا ومواعظ لعدد من رجال الدين قليلي العلم. الذين يكررون ما يتحدثون به في مجالسهم البسيطة، دون وعي منهم لخطورة ما يمارسون، وأن خطابهم يشاهده الملايين حول العالم!. أي أن وسائل التقنية الحديثة، كما وسائط "الإعلام الاجتماعي"، ساهمت هي الأخرى في تعميم ثقافة "الجهل المقدس" كما يسميها الفيلسوف أوليفييه روا، إلا إذا استثنينا مجموعة من هذه الوسائل، التي لا تقارن عددا بالحشد الكبير من الإعلام المضاد لها.
3- من الجدير بالتأمل أن كثيرا من الفضائيات "الشيعية"، يديرها أناس منتمون لتيار "الشيرازي" أو مقربون منه، ولذلك أهميته الخاصة. فالتيار الذي بدأ على يد المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي، وكان حينها تيارا طليعيا، متمردا على الشيعية الكلاسيكية، قائم على أدبيات "الإسلام الحركي"، والمؤمن بـ"المرجعية الرشيدية"، والذي أدار عشرات المؤسسات والمراكز العلمية في العالم، التي طبعت كتبا حديثة في خطابها الدين، راح يقبل عليها الشباب الملتزم، وساهمت في خلق حركات سياسية مناهضة.
هذا التيار، وبعد رحيل مؤسسه السيد محمد، وابتعاد رموزه عن العمل السياسي، وتفكك عدد من الهياكل التنظيمية التابعة له، تحول لتيار عقائدي، مقتربا في أفكاره من المدرسة "الشيخية"، وشيئا فشيئا راح ينغمس في "الطقوسية". وبحكم خبرته الحركية السابقة، صار نشطا في تأسيس مواقع الإنترنت، والقنوات الفضائية. وهي وسائط راح يبث منها خطابه العقدي، الذي راح يوما بعد آخر يزداد انغلاقا، وتعصبا، وكراهية للآخر. حتى برز في صورته الأكثر تطرفا في خطاب شخصيات مثل: مجتبى الشيرازي، وياسر الحبيب، اللذان انتهجا طريق "الشتم واللعن"، فلم يسلم منهم نفر من صحابة رسول الله وزوجاته، ولا حتى كبار علماء الشيعة ورموزهم الدينية والسياسية، فهما وتيارهما يعتبران شخصية مثل الراحل آية الله محمد باقر الصدر، عالما منحرفا. كما يطلقان على مرشد الثورة الإيرانية آية الله خامنئي اسم "يزيد خامنئ"، لا لشيء إلا لأنه وقف بحزم ضد "التطبير" وأفتى بحرمته، ومنع رسميا ممارسته في إيران، ولكونه حرم سب الصحابة وزوجات النبي الأكرم محمد (ص). هذا فضلا عن شخصيات أخرى، يعتبرها الشيرازي والحبيب، ضالة ومتأثرة بالفكر "السني"، مثل: السيد محمد حسين فضل الله، والسيد حسن نصر الله، ود.أحمد الوائلي.. وسواهم.
4- الاستقطاب المذهبي الحاد في الوطن العربي، وتحديدا في الخليج، وعمليات القتل العشوائي الذي تقوم به مجاميع تنظيم "القاعدة"، وفتاوى التكفير التي يطلقها "المتعصبون" بحق المسلمين الشيعية، كلها أدت لشد العصب المذهبي، وشيوع جو اجتماعي حاضن للخطابات المتطرفة، التي تتخذ من الخطابات التكفيرية المضادة، ذريعة لتحفيز الأتباع، وحشدهم جماهيريا. مما أدى لأن يكون صوت المعتدلين خفيضا، وصوت "الصقور" عاليا، فالطرف الأخير بنظر "العامة" هم من ينافح عن المذهب، ويذود عن حياضه. وفي المجمل برزت شخصيات غير مؤهلة، إلا أنها مسموعة الكلمة، وباتت شريحة من الناس تأخذ عقائدها من الوعاظ، وقارئي السيرة الحسينية، و"الرواديد".
5- اعتلاء صوت المتشددين، قابله ما يشبه الصمت، أو الانكفاء من قبل مجموعة من الفقهاء والقيادات الشيعية. والتي بعضها كان على تماس أو توافق مع بعض الأفكار "المتمذهبة"، والبعض الآخر أصيب بحال من الإحباط، وفريق راح يروج إلى أن النقد يجب أن يكون داخليا ضمن نطاق الدوائر العلمية، لا علنيا على رؤوس الأشهاد. إلا أن ما فات هؤلاء النفر من العلماء المنكفئين، أنهم بصمتهم هذا سيشاركون في خلق جيل جديد من الأتباع "الجهلة"، الذين لا يحسنون عدا الإيمان بالقشور، ولا يعرفون إلى اللب سبيلا.
ومن باب الأمانة العلمية، لا يمكن التعميم على جميع المرجعيات الدينية، فهنالك أصوات صدحت برفضها للطقوسية العمياء، وأفتت بحرمة ممارسة الشعائر الدخيلة. وممن كانت له يد طولى في هذا الصدد: الراحل السيد محمد حسين فضل الله، والعلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وآية الله الشيخ محسن الأراكي، وآية الله فاضل لنكراني، وآية الله خامنئي، وسواهم العشرات من الفقهاء.
6- هنالك سبب فكري هام، يتعلق بتراجع التجديد في الفكر الإسلامي بشكل عام، وفي الخطابات الدينية. وهو الضمور الذي أصاب الحوزات العلمية في النجف وقم. حيث إن فريقا من رجال الدين راح يشتغل على الفقه الكلاسيكي، وراح يغرق في تقديس آراء الفقهاء السابقين، مما أضعف مفهوم "الاجتهاد"، وحوله من استنباط للحكم الشرعي، إلى ترجيح لقول عالم على آخر، لا أكثر ولا أقل. هذه السلبية في اجتراح فهم جديد للدين وعلاقته بالحياة، جعل الحواضن الفقهية مرتعا لرجال دين تقليديين، تأثر عدد منهم بآراء "العامة"، وصار جزء من منظومة "التقهقر الفكري"، عوضا أن يكون رافعة علمية للمجتمع.
ختاما، إن الخطاب الإسلامي عامة، والخطاب الشيعي في عاشوراء خاصة، بحاجة إلى تجديد، وإزالة للتراكمات التاريخية التي أحاطت كالقشرة السميكة به، لنميز تاليا بين "الذاتي والعرضي في الدين"، كما يقول د.عبد الكريم سروش، لأن إعادة إنتاج المعارف الدينية وفق الصيغة الكلاسيكية الرتيبة المتبعة حاليا، لن تكون نتيجته إلا مزيدا من الغرق في الماورائيات والطقوسيات، والبعد شيئا فشيئا عن جوهر الدين، ونسيان القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين بن علي هو وصحبه في كربلاء.