.
.
.
.

معركة الجزائر الثالثة.. قادمة !

سليم قلالة

نشر في: آخر تحديث:

خاض آباؤنا معركة الجزائر الأولى على الأرض بالسلاح والدم والدموع، وانتصروا في آخر المطاف، حيث استعادوا الأرض والكرامة وكفكفوا دموع اليتامى والثكالى.. وكانت تلك مهمتهم.. واليوم أمام الجيل الثالث معركة جزائر أخرى، سلاحها غير السلاح التقليدي وأرضها غير الأرض التقليدية، وتضحياتها غير التضحية بالدماء والدموع. فهل ينتصر جيل اليوم في معركة الجزائر الثالثة؟ وقبل ذلك كيف كانت الثانية؟ ذلك هو السؤال.

أؤكد باستمرار أن لعنة الجيل السابق أو الأسبق لا تفيد في شيء. لومُ الآخرين لا يمكنه أن يصنع الذات، والهروب من الواقع لا يغيره أبدا، إنما هي الرؤية الصائبة والإرادة الفذة والفعل الاستباقي من يصنع التاريخ ويمكن المرء من أن يكون أو لا يكون، أن ينتصر في المعركة أو يفشل.

وصلتني أكثر من رسالة من الجيل الثالث تلوم الجيل الأول وتحمله كل المسؤولية فيما حدث للبلاد والعباد، بل وتعتبر أن ما حدث لا يمكن القيام بعده إلى يوم الدين، في استسلام وخنوع ما بعدهما خنوع، وضمن منطق يائس لا يبشر بخير. وتساءلت أمام أكثر من جملة استوقفتني: وماذا نقول نحن الجيل الثاني ممن ولدوا ما بين اندلاع الثورة ونهاية السبعينيات، هل نندب حظنا لأن الجيل الأول كان في عنفوان قوته عندما كنا نحن أطفالا؟ هل نكثر العويل والصياح أنهم مازالوا يؤجلون فرصتنا حتى غزا الشيب رؤوسنا؟ أم علينا أن نفتح لأنفسنا معارك أخرى نخوضها وننتصر فيها غير مبالين بأحد؟ وهل فتحنا هذه المعارك وخضناه وانتصرنا فيها أم أننا قتلنا أنفسنا ونحن ننتظر اشتعال الضوء الأخضر الذي نعرف أنه لن يشتعل من غير إرادتنا؟

يبدو أن الإجابات كانت واضحة بالنسبة لنا على الأقل في أكثر من موقع، ولينظر الجيل الثاني من حوله ويرى النتائج ويحكم:

ـ كانت مهمة الجيل الثاني أن يلتحق بالتعليم حتى ولو كان عمر الواحد منه 10 سنوات فالتحق معظمه، منهم من درس السنة في سنتين إلى أن وصل إلى أعلى درجة يستطيع، وآخرون تفوقوا في الدراسة إلى حد العالمية، وفئة أخرى التحقت بعالم الشغل من غير أن يكون لها الحظ في سنة واحدة من التعليم بسبب الفقر أو قلة الحيلة... ولكنهم جميعا احتلوا المواقع التي كان عليهم احتلالها وشمروا على سواعدهم وحققوا ما استطاعوا في هذا المجال، ولعل الكثير مما أنجزته الجزائر كان بعقولهم إن كانوا من المتعلمين أو بسواعدهم إن كانوا من العمال البسطاء والفلاحين. ولا ينكر أحد اليوم حتى من الجيل الثالث جهد هؤلاء وتفانيهم وانتصارهم في معركة الجزائر الثانية.

انتَصروا على جبهة التعليم والعمل كما انتصروا على جبهة القيم والسلوك والأخلاق وهي أهم جبهة، إلا أنهم فشلوا في جبهة السياسة في بداية التسعينيات بعد أن تحولت من جبهة للصراع بالأفكار إلى جبهة للصراع بالسلاح ليس بين العدو وعدوه إنما بين الأخ وأخيه... وتلك قصة أخرى...

في الجبهات الأولى حافظوا على تلك القيم التي ما فتئت تصنع الدول لفترة من الفترات حتى كدنا نرى إقلاع الجزائر في نهاية السبعينيات، بما أصبحت تمتلك من كفاءات شابة مكونة أحسن تكوين، وقاعدة اقتصادية ناشئة، ومنشآت ضخمة تم الشروع في إنجازها، والأهم من ذلك رؤية للمستقل تمت صياغتها بعد نقاش واسع اتفقنا معها أم لم نتفق.. أما في جبهة السياسة فقد فلتت من أيديهم، وانهار كل شيء على رؤوسهم ومازال، وسيحكم التاريخ ذات يوم عن من تسبب في هذا الانهيار الذي سيكون عنوان المرحلة التي سيولد ويعيش فيها الجيل الثالث...

ولد الجيل الثالث في هذه الحقبة، وعاش فيها ومازال يعيش، وعليه أن يخوض معركة الجزائر الثالثة، هذا قدره. ومعركة الجزائر الثالثة هي الأصعب والأكثر أهمية للمستقبل، لأن التموقع فيها صعب، وتحديد الأولويات والأهداف أصعب: ما الذي ينبغي أن يقوم به هذا الجيل الثالث؟ أي المعارك ينبغي عليه أن يخوضها؟ وأي التحالفات عليه أن يقوم بها؟ وأية دروس ينبغي أن يستفيد و كيف ينتصر في جبهات الصراع الإعلامي والعلمي و في الجبهة السياسية التي حادت عن الطريق منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وسارت بالجزائر على غير منهج معركتها الأولى؟ والأهم من كل ذلك كيف ينتصر على جبهة الصراع الأخلاقي والقيمي باعتبارها أخطر الجبهات القادمة بالنسبة له؟وكيف عليه أن يُسخِّر كل طاقاته لها لكي لا يفشل كما فشل الجيل الثاني في جبهة الصراع السياسي؟

هي تلك التحديات الرئيسة التي تواجه هذا الجيل فيما نُسميه مزاجا معركة الجزائر الثالثة: فهل سينتصر فيها كما انتصر أجداده؟ أم سيفشل كما فشل آباؤه في ساحة المعركة السياسية؟

على خلاف ما يبدو، ومن مباعث الفخر للجيل الثاني، أنه استطاع أن يُكوِِّن ويُعلِّم الجيل الثالث على موجات متتالية وكبيرة العدد،غير صحيح أن مستواها جميعا مترد، وغير صحيح أنها لا تمتلك من الكفاءات ما يجعلها هي الأخرى تصنع أمجادها وتصل إلى العالمية، إنما هو الكم فقط الذي غطى الكيف، ولم نعد نرى أولئك النوابغ الذين كنا نراهم في السبعينيات بعد أن كان عدد المتعلمين قليلا، فقط علينا تصحيح شبكة توزيع الكفاءات على أسس عادلة لكي تبرز الكفاءة المُغّيبة أو البعيدة عن الأضواء.

إنه لمن قبيل الفخر لنا أن تسحب صحفنا ملايين النسخ اليومية وتُقرأ، ومن قبيل الفخر أن يعرف أبناء هذا الجيل اللغة العالمية التي لم نكن نعرفها نحن: لغة الحواسيب والبرامج المعلوماتية، ومنهم من يتحكم فيها على أحسن وجه... ليس صحيحا أننا كنا نقرأ أكثر منهم كجيل ثان، إنما الصحيح هو أننا كنا نقرأ غير الذي يقرؤون ونستوعبه بطريقة أخرى. ويبدو لنا أن ذلك كان هو الأفضل، وعلينا أن تجاوز هذا الإشكال باعتبار أن لكل مرحلة أدواتها وآلياتها وتكنولوجياتها. ولعله من قبل الحظ الوفير لهذا الجيل أن الآباء يدركون هذه الحقيقة، ولا يخيفهم البتة أن يتفوق الأبناء عليهم فيها، بل ويشجعونهم على ذلك لخوض معركتهم القادمة، أكثر مما يشجعهم الأجداد الذين أصبح البون بينهم والجيل الثالث أكثر من شاسع، تماما مثلما هو بين اللوح الخشبي ـ رغم بركته ـ واللوح الإلكتروني رغم الشياطين التي تسكنه. فهل سيخوضونها؟ وهل يستطيعون الانتصار على تلك الشياطين الإلكترونية التي تمنعهم من ربح معركة الجزائر القادمة، كما منعتنا شياطين الإنس من استكمال ربح معركتنا الثانية؟

ذلك هو موضوع مقالنا الأسبوع المقبل بإذن الله ضمن المحور الثالث من صناعة الرؤية: تحديد الرهانات والتعرف على المعارك المحتملة التي سنخوضها (انظر مقالنا الأسبق هندسة الرؤية عناصر منهجية).

* نقلا عن "الشروق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.