.
.
.
.

هل نحن مجتمع مريض؟!

يوسف الكويليت

نشر في: آخر تحديث:

الإشاعة والخبر غير الموثق، وسرعة انتقال المعلومة المغلوطة، جعلت أخصائية نفسية تقول: «إن نصف سكان المملكة مرضى نفسيون» ولو قبلنا بهذا التصريح فالمفترض أن تمتلئ مدارسنا وبيوتنا وشوارعنا وأنديتنا بملايين المجانين، الاعتراض ليس على التصريح وإنما بالبيانات الصريحة الصادرة عن جهات مختصة تفيدنا بالواقع مجرداً لا أن تتجزأ جملة حوادث يبنى عليها حقيقة هذا المرض..

نفس الأمر مع إحصاءات أخرى تضع مجتمعنا مريضاً بنسب لا ندري مصدرها عن تزايد أمراض السكري بما يفوق المعدلات الدولية، وكذلك السرطان والفشل الكلوي والسمنة وغيرها، ومع قبولنا بأن مستوى الرفاهية وتغير نمط الغذاء وتداخل المجتمع مع وافدين غيروا بعض السلوكيات ومضاعفات المخالفات بمصادرة مواد غذائية فاسدة وأدوية منتهية الصلاحية، والسلع التي لا تتطابق مع المواصفات وحربنا الهائلة مع موردي ومروجي المخدرات وتزايد الجريمة بأشكالها المختلفة، كل هذا لا يستدعي أن نكون مجتمعاً مريضاً يحتاج فتح مصحات في زاوية كل شارع وحارة ولعل التهويل من هذه الأقوال وضعنا تحت دائرة الشك من تلك المصادر ومن يروجون لها بدون منطق الرقم والإحصاءات الدالة على الواقع..

صحيح أن التطور الحضاري جلب معه أمراضه، ولكن إذا تذكرنا كيف أن الملاريا والجدري والجذام والسل، فتكت بالعالم قبل اكتشاف حلول طبية أنهتها وصارت من الماضي، نجد أن العصر أفرز أمراضاً أخرى ولكنها ليست وبائية، ونحن جزء من عالم يتأثر بطبيعة الحياة الإنسانية غذائياً وسلوكياً باعتبار المسافات الفاصلة أنهتها عوامل الاتصالات والمواصلات والاكتشافات الحديثة التي اختزلت الكرة الأرضية بالقرية الصغيرة، إلاّ أن الأخذ بأسلوب الإشاعة، جاء من أصحاب النوايا الحسنة برد فعل قادنا إلى الشك بصحتنا العامة والنفسية، وهذا ليس صحيحاً قياساً للوعي المتزايد على كل مستويات المجتمع، حتى أن مشهد المرأة والرجل ممن يمارسون رياضة المشي في المضامير المخصصة، والتدقيق بالمواد الغذائية تاريخ صلاحياتها ونسب المكونات بها، والحذر من تعاطي الكثير من الأدوية وتحاشى الكثير من الأطعمة ذات السعرات الحرارية، هي عينات من وعي وطني متقدم.

وكأي مجتمع في العالم نعم لدينا بعض الجهل في السلوكيات العامة، كالعناية بالطفل وسلامة البيئة، وعادات المبالغة في واجبات الكرم والفحص الدوري الطبي، إلى آخر قوائم أخرى لا تزال تحتاج إلى التعامل مع محيطنا البيئي وعاداتنا بأن نصل إلى المستوى الذي يؤهلنا إلى فهم حاجاتنا من الأغذية والأدوية والممارسات الرياضية وغيرها..

لقد ارتفع مستوى التعليم وتناقصت الأمية إلى حدودها الدنيا، وزاد عدد القارئين للكتب الثقافية بما فيها نشرات وكتب التوعية الصحية، وبالتالي فتقديرات من يضعوننا على عتبة المجتمع الموبوء ليس صحيحاً، بل إن تزايد المواليد والاعتناء بهم وصلنا إلى نسبة سكانية تجاوزت معظم دول العالم المتقدم والمتخلف، وبصرف النظر عن مردود ذلك على المستقبل، إلاّ أننا لا نشهد أعداد الوفيات أو المرضى تتجاوز الأصحاء وعلى هذا الأساس ليس من المنطقي أن يذهب كل من يملك بعض المعلومات بالصحة النفسية والعامة أو لديه بعض مفاهيم الثقافة الغذائية أو يرصد حالات تعاطي المخدرات أن يجزم بأننا مجتمع مريض، والفارق بين نشر الوعي بالتحذير من هذه المخاطر وبين المبالغة في إحصاءاتها لا يعطينا الجزم بدقة ما ينشر أو يسرب من أخبار ووضعها في ميزان الحقائق، وإلاّ فعلينا القبول بها والبحث عن أطباء خارج منظومتنا الشمسية

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.