.
.
.
.

وفاق.. أم خلاف أزلي؟!

يوسف الكويليت

نشر في: آخر تحديث:

مظهر رائع حين رأينا في غزة والضفة الغربية كيف فتح الإخوة المسيحيون كنائسهم وبيوتهم للإخوة الفلسطينيين متزامنة مع طردهم من الموصل بفعل همجية داعش، والنماذج كثيرة، فقد أشرت في إحدى مقالاتي أنه كان بيننا مسيحي بدوي من الأردن مقيم بالرياض، كان بيته مضافة كبيرة وفي عيد الأضحى يقوم بنحر ذبيحته، وتوزيعها على فقراء المسلمين، ونفس الأمر ما نجده مدوناً في تاريخ اليهود والعرب كيف حماهم الإسلام من بطش الأسبان بعد طردهم، وآواهم في الأندلس..

الشواهد كثيرة، لكن عصر الحماقات الجديد فجر الهمجية التي قطعت صلاة المودة والتراحم والعيش تحت ظل وطن واحد، ولعل المسلمين هم من يواجهون واقعاً خطيراً حيث لم يعودوا سبعين فرقة فقط، بل خرجت لنا عصابات قتلة يشبهون برابرة المغول، فكل مشاهد الحضارة تُهدم، وكل إنسان كافر إلاّ إذا أعلن البيعة للإرهاب وليس الدين، يؤدون دوراً خاصاً لقائمة طويلة من الفاعلين في إدارة السياسة العربية والإسلامية من خلف الستار، والمؤلم أن لهم أعضاء ودعاة داعمين أيضاً من خلف الستار، ولا يقتصر الأمر على خلافات تاريخية، وإنما وُلد لنا فقه وأحاديث وفتاوى لأشخاص جاءوا من خارج الزمن، ويريدون إعادتنا لتلك المرحلة..

ما يحز بالنفس أن أكبر مذهبين أو طائفتين، الشيعة والسنة على خلاف جر الحروب والمآسي، وحين تدقق بها لا تجدها بالأصول فالجميع يصلون خلف إمامي الحرمين الشريفين ويصومون ويحجون لبيت واحد حتى إن الكوارث الطبيعية في زلزال يضرب إيران يراه متشددون سنة عقاباً إلهياً لهم ونفس الأمر عند متشددي الشيعة، وإذا كانت الخلافات على البيعة والصحابة ومن آلت إليه فهذا أمر تاريخي لا علاقة له بالحاضر، لأن الله كفل لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، وحساب المخطئين عنده، والعصر الحاضر لا يحتمل الخلافات التي تؤدي إلى القطيعة، وما يثير الألم ان الاجتماعات المتباعدة بين علماء الطرفين لم تحسم التباينات على الفروع، وهي من الأمور التي لا نجدها مشكلة أزلية..

فالجميع يواجه مداً عدائياً من الغرب، سواء كان ثقافياً في حتمية الصراع مع الإسلام ولم يحددوه بسنة أو شيعة، أو طوائف أخرى، وإنما عمموه كواقع، ونرى إسرائيل في قلب معركتنا مع الوجود والعدم، أو ما يعدونه أزلياً حين احتل المسلمون قاعدة الديانة المسيحية وعاصمة الدولة البيزنطية اسطنبول، ليأتي اليهود كمقايقضة لاحتلال فلسطين، ومن يعتقد أن علمانية الغرب بلا إرث ديني يلبس السلوك السياسي مخطئ تماماً، ولذلك فالصراع الإسلامي - الإسلامي حقق مكاسب هائلة لتلك الدول، وأعطاها الانتصارات..

نعرف أن الأبعاد طويلة، وأن عمق الخلاف لا يسوى بعقد بين الدول فقط، وإنما بنشر ثقافة التسامح، وهذا حدث في مراحل تاريخية كبيرة حين تصاهروا وعاشوا بلا حساسيات مثلما يحدث الآن، ولعل الدعوات التي تخرج من علماء الطرفين، وأعني أولئك الذين لديهم وعي وتفسير لظاهرة الخلاف، لم يجدوا من يساندهم، وهي مشكلة العلماء من متطرفي الجانبين الذين يغذون وينشرون العداوات ويعبئون غير المتعلمين كوقود في حرائقهم..

المشاكل تطوق الجميع، ومن يعتقد أنه سيحتكر المستقبل بنشر دعوته ليس مخطئاً فقط، بل يذهب مهرولاً إلى الخلف ومطلب التضامن هو النتيجة التي ينبني عليها عصر إسلامي جديد.
نقلاً عن "الرياض"

www.alriyadh.com/956796

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.