.
.
.
.

طبع الغنوشى يغلب فى تونس

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

إذا كنت أنت من المتابعين لما يجرى فى تونس، فلابد أن تسأل نفسك السؤال المحير التالى: كيف يحصل حزب المنصف المرزوقى على مقعدين بالكاد فى انتخابات البرلمان التى جرت فى أكتوبر الماضى، ثم يحصل المرزوقى نفسه على 34٪ من إجمالى أصوات الناخبين الذين صوتوا فى انتخابات الرئاسة صباح الأحد من هذا الأسبوع.. كيف؟!

ذلك أن حصوله على مقعدين من أصل 217 مقعداً فى انتخابات أكتوبر، على مستوى البرلمان، كان يعنى بالضرورة، وبالعقل، وبالمنطق، أن يحصل فى انتخابات الرئاسة، فى هذا الشهر، على نسبة من الأصوات تساوى أو حتى تقترب مما حصل عليه من قبل.. أما أن يحصل على مقعدين اثنين فى البرلمان، ثم يحصل على ما يقرب من ثلث عدد أصوات الرئاسة، فهذا معناه أن هناك شيئاً غامضاً، أو أن هناك شيئاً يستحق منا أن نتحرى عن أسبابه!

وهذا الشىء الغامض سوف يتضح أمامك تماماً، إذا ما راقبت من جانبك كلام حركة «النهضة» الإسلامية، ثم إذا ما قارنت أنت أيضاً، بين كلامها، وبين فعلها، إزاء معركة الرئاسة كلها!

فالحركة أعلنت منذ البداية، بل منذ وقت مبكر، أنها لن تطرح مرشحاً فى سباق الرئاسة، وأنها سوف تفكر فى مرشح من الـ27 مرشحاً الذين يخوضون السباق، لتدعمه دون غيره، وبعد تفكير طويل قالت إنها انتهت إلى أنها لن تدعم مرشحاً بعينه، وإنها تترك لأى عضو من أعضائها حرية اختيار المرشح الرئاسى الذى يريده ويقتنع ببرنامجه، ويراه الأصلح.

إلى هنا.. نحن أمام كلام جميل، ولا شىء يعيبه، ونحن أمام موقف واجب الاحترام منها، لأنها أعلنت أنها لن تطرح مرشحاً، ثم التزمت بما قالته، ولم تفعل مثل الإخوان عندنا، عندما قالوا قبل انتخابات الرئاسة فى 2012، إنهم لن يطرحوا مرشحاً، ثم طرحوا الشاطر، ومن بعده، مرسى، أى أنهم فعلوا عكس ما قالوه، ففقدوا منذ تلك اللحظة ثقة أى ناخب محترم!

ولكن.. سوف يؤلمك أن تعلم أن حركة النهضة التونسية قد التزمت بكلامها ظاهرياً، ثم تصرفت فى السر، ومن تحت الترابيزة، بعكس كلامها على طول الخط.. كيف؟!

لقد صدر تعميم داخلى على مستوى الحركة بانتخاب المنصف المرزوقى، ولأن مبدأ السمع والطاعة - دون نقاش - هو السائد فى داخلها، كما فى داخل الإخوان بالضبط، فقد التزم أعضاؤها بالتعميم، وذهبوا لينتخبوا المنصف، ففاز بما فاز به، وأصبحت هناك فجوة عميقة بين مجمل أصواته فى البرلمان ومجمل أصواته فى الرئاسة، وهى فجوة لا يفسرها سوى أثر التعميم إياه!

وما يؤكده أن ما حصل عليه المرزوقى فى معركة الرئاسة، من أصوات، يساوى بالضبط ما حصلت عليه «النهضة» فى معركة البرلمان، إذ لانزال نذكر جميعاً أنها كانت قد حصلت على 65 مقعداً من بين الـ217، أى الثلث تقريباً، وهو ذاته نصيب المرزوقى فى الجولة الأولى من معركة الرئاسة التى انعقدت أول أسبوعنا هذا!

أقول هذا كله، لعلنا ننتبه إلى أنه كلما قيل لنا إن الحركات الإسلامية ليست قالباً واحداً، وإن بينها اختلافات، وإن «النهضة» ليست الإخوان، وإن.. وإن.. حدث شىء عابر ومفاجئ، من نوع ما حدث مع المرزوقى، بما يجعلنا نفهم، أن المنبع بالنسبة لها جميعاً واحد، وأن الطبع فيها فى النهاية يغلب التطبع!!

www.almasryalyoum.com/news/details/584858

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.