.
.
.
.

المسلمون في أوطانهم الجديدة

محمد علي فرحات

نشر في: آخر تحديث:

كان لا بد من الفولكلور الشرق أوسطي بعد ساعات من مقتل الإسلامي الإيراني الملتحي ورهينتين من الذين احتجزهم في مقهى بوسط سيدني. والفولكلور تصاعد من باحة مسجد لاكمبا، أكبر مساجد المدينة، حين التقى رجال دين مسلمون ومسيحيون ويهود وأعلنوا استنكارهم الجريمة وبراءتهم من دم الضحايا ومن خوف السكان الذي أفرغ بنايات قريبة من المقهى مع إخلاء أوبرا سيدني الشهيرة وإقفال القنصلية الأميركية.

الأمر نفسه حدث، وإن بطريقة مغايرة، في كندا، حين هاجم جهادي مبنى البرلمان الاتحادي في أوتاوا وأرعب قبل مقتله النواب والوزراء وملايين شهدوا الاعتداء في بث تلفزيوني مباشر.

الفولكلور هذا لم يمنع حروباً دينية أو طائفية في الشرق الأوسط منذ أواسط القرن التاسع عشر أحدثت شروخاً في المجتمعات ومنعت تأسيس الدولة العربية الحديثة وفق أسس ديموقراطية بعد انهيار السلطنة العثمانية ونجاح الوطنيين في انتزاع الاستقلال.

وهو بالتالي لا ينفع المهاجرين العرب والمسلمين في أوطانهم الجديدة، إذ يبدو أشبه بلعنة الأجداد تلاحق أحفادهم حتى أقاصي الأرض.

وآفة هذا الفولكلور هي تحوير الاهتمام السياسي من إطاره الاجتماعي إلى إطاره الهوياتي، وإلا كيف يتقبّل الناس سماع زعمائهم يصرخون بنداء القيم ولا يهمسون بنداء المصالح، مثل الحرية والعمل والتخطيط لأجيال المستقبل؟

وإذا كان الإرهاب المهاجر يطارد المهاجرين، كلاماً أو عنفاً، ويهدف إلى تحويل الديموقراطية في أوطانهم الجديدة حقلاً واسعاً للتوحش، فإن المجتمعات المتقدمة تدافع عن نفسها بالدفاع عن مسلميها أولاً، والتفريق بينهم وبين طفرة الإرهاب أو لعنته التي تحرق أجزاء من العالم العربي وتنال استحسان الذين تدفئهم نارها. بدا ذلك واضحاً في رسائل على مواقع التواصل الاجتماعي تتضامن مع المسلمين الأستراليين، ومن قبلهم الكنديون، ومعها كتابات صحافية وأحاديث تلفزيونية ومحاضرات تحليلية ودفاعية، لئلا تنفخ الحوادث الإرهابية العابرة في نار تحرق الديموقراطية والتعددية وتطيح ما بنى الإنسان منذ الطفرة الصناعية وثورة «حرية- إخاء- مساواة».

في الأوطان الجديدة للعرب والمسلمين، خصوصاً في أميركا الشمالية وأستراليا، مجال رحب لانطلاق الإيمان، تبعاً لتقليد بدأ مع استيطان هذه المناطق، يعتبر سكن الإنسان عطاء إلهياً، وإلاّ فلماذا تكثر هناك الجمعيات الدينية، وبعضها جديد ومبتكر، ولماذا ينزع الكثيرون إلى التأمل في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما يلاحظ الكثيرون ومن دون عناء؟

لن يخاف العربي والمسلم في أوطانه الجديدة بل سيشكل، مع المواطنين الآخرين المتنوعين، جبهة للدفاع عن الحضارة، ولإيصال رسالة عقلانية الى العالم تحترم العقائد وتدفع إلى نقاشات حول المصالح العملية للإنسان اليوم.

ويرى البعض ملامح أولى لإنقاذ جوهر الأديان الإيماني تأتي من مجتمعات فصلت الدين عن الدولة من موقع احترام كل منهما: هناك في التعدد يكتشف الإنسان جوهره، وهنا في التماثل يتكرر الوجه في المرآة الواحدة، بحيث يرفض أي وجه مختلف، وقد يقتله أو يكسر المرآة عليهما معاً.
نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.