.
.
.
.

حرب المائة عام

علي سالم

نشر في: آخر تحديث:

ربما أكون قد تسرعت أو فكرت بالتمنى عندما قلت إن معركتنا مع الإرهاب ستتطلب ثلاثة أعوام. أما الآن، وبعد أن أتيحت لى فرصة التفكير على مهل، بالإضافة إلى المزيد من فهم أسباب التطرف المؤدى حتماً إلى الإرهاب، أستطيع أن أقول إن معركتنا مع الإرهاب ستستغرق مائة عام على الأقل. وهو الرقم الذى توصف به الحروب الطويلة فى أوروبا، إنها حرب المائة عام.

اسمح لى أن أشرح لك تصورى الذى أوصلنى لهذا الاستنتاج: التطرف هو البحر الأعظم لإنتاج الإرهاب، وهذا البحر يسمى أحيانا فى القواميس القديمة «الجهل»، والجهل هو الأرض الطيبة التى تنتج الفقر، وبذلك تكون المعادلة كما أراها هى أن الجهل + الفقر= التطرف، والتطرف هو نفسه خميرة الإرهاب. ولكن لماذا مائة عام..؟ هل تقصد أن المصريين سيتخلصون من الفقر ومن الجهل بعد مائة عام..؟

نعم.. لأننى أرى أن هذه المدة ربما تكون كافية لكى نفهم أنه من المستحيل التخلص من فكرة هندسة البشر من أعلى والاقتصاد المخطط، أقصد المبادئ الاشتراكية بوجه عام. لا تستكثروا المدة، فقبل ثورة يوليو 1952، كانت مصر تئن من وحوش مفترسة ثلاثة هى الفقر والجهل والمرض، ولا شك أنك توافقنى على أننا لم نتخلص منها حتى الآن، بعد مرور أكثر من ستين سنة، بل ربما قمنا بتنميتها والعمل على ازدهارها. ليس معنى ذلك أننى أدين هذه الفترة أو أنكر ما أنجزناه فيها، فعلى الأقل تخلصنا من الاحتلال الإنجليزى وحاربنا دفاعا عن القومية العربية، وهزمنا الإقطاع وهزمنا أصحاب رؤوس الأموال المتعاونين مع الإمبريالية العالمية.

كل المشاريع والمصانع التابعة للدولة تخسر خسارة يومية مرعبة، وبالطبع لابد أن تتولى الدولة الإنفاق عليها وتسديد ديونها، ليس هذا فقط، بل لابد أن تسدد للعاملين فى هذه المشاريع أرباحاً وحوافز، فى غياب كلى لأى إنتاج له قيمة فى أسواق الدنيا. لقد تخلّص العالم كله من فكرة سيطرة الدولة على طاقة العمل والإنتاج. هو عالم ضعيف بالطبع لم يتحمل الخسارة الدائمة، أما نحن فأصحاب مبادئ.. لقد قررنا أن نمشى فى طريق الديون والفقر والجهل والمرض.. نعم الثبات على المبدأ.

باختصار.. فى غياب الاقتصاد الحر، يزدهر الفقر وتعجز الدولة عن تعليم أطفالها، فيزدهر الجهل ويشيع التطرف ويتفجر الإرهاب.. نعم، المزيد من سيطرة الدولة على المشاريع الاقتصادية سينتج عنه المزيد والمزيد من الإرهاب.. وبذلك تكون معركتنا مع الإرهاب فى جوهرها هى نفسها معركتنا لتحويل المجتمع والدولة إلى الاقتصاد الحر. أمر آخر أرجو أن تسمح لى بأن أقوله لك.. الحرب، أى حرب تتطلب محاربين من أصحاب الخيال. وهو نوع من البشر لا تنتجه الاشتراكية، لأنها تربى الناس على الاعتماد على الحكومة، وبذلك يفقدون القدرة على مواجهة التحدى إلا فى مجال الأغانى.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.