.
.
.
.

الطاغية الذي يعيش داخلنا

فهد عامر الأحمدي

نشر في: آخر تحديث:

في داخل كل إنسان طاغية ينتظر الظهور..

بداخلنا ديكتاتور ينتظر السلطة المناسبة للتحكم بالآخرين..

نذم مدراءنا ووزراءنا ثم نفعل مثلهم حين نصل لذات الكرسي والمنصب..

تنقسم مجتمعاتنا لأدنى فروقات لونية أو عرقية أو مذهبية وإن لم نجد نتصارع على مسائل خلافية مضى عليها قرون..

هذه النقيصة الإنسانية التي تظهر فور انهيار المبادئ والقوانين والسلطة العليا للدولة وليس عنا ببعيد الانفلات الأمني الذي حصل في سورية وليبيا واليمن كأحد تداعيات الربيع العربي..

لا تخدعنك مظاهر التحضر في المجتمعات المتقدمة؛ فأوروبا أنهت الحرب العالمية الثانية بأربعين مليون قتيل، والشعب الألماني (على قدر رقيه وتحضره) أحرق بقية الأعراق في معتقلات الغاز، حتى الشعب الياباني رغم خجله وأدبه ارتكب فظائع في كوريا والصين يندى لها الجبين، والشعب الفرنسي رغم أنه أول من نادى بمبادئ الحرية والمساواة لم يعتق الجزائر قبل إزهاق مليون قتيل.. أما الأميركان فما يزالون أسياد الكيل بمكيالين حين يتعلق الأمر بغزو الدول العربية والإسلامية..

المعضلة تكمن في طبيعة الإنسان نفسه الذي لا يدرك أنه يتحول لطاغية بمجرد امتلاك سلطة مطلقة وغياب القانون والمبادئ العليا..

هذه الحقيقة تؤيدها تجارب كثيرة تؤكد مدى وحشيتنا وقسوتنا في أوقات الحروب والصراعات المسلحة وانهيار مؤسسات الدولة..

فهناك تجربة شهيرة بدأت بتساؤل أحد الطلاب (في إحدى المدارس الثانوية في كاليفورنيا عام 1967):

كيف استسلم الشعب الألماني المتحضر لنظام هتلر النازي وسمح له بقتل هذا العدد الكبير من الناس؟

وكي يمنحهم فهماً أفضل اقترح عليهم مدرس التاريخ (ويدعى رون جونز) القيام بتجربة بسيطة تشرح كيف أن البشر بطبيعتهم ميالون للانقسام واضطهاد بعضهم لأتفه الأسباب..

وهكذا اتفقوا على تقسيم طلاب الفصل إلى جلادين متسلطين (4 طلاب) ومواطنين خانعين (12 طالبا) وأفراد مضطهدين (4 طلاب) لمدة ثلاثة أيام..

وبسرعة غير متوقعة تحولت المجموعة الأولى إلى مجموعة قاسية تعامل الطبقة المضطهدة بقسوة مفرطة.. وفي هذه الأثناء بقيت المجموعة الثانية (المواطنون الخانعون) تتخذ موقف المتفرج الرافض للتدخل (فمن شروط التجربة أن من يتدخل ينتقل تلقائياً للطبقة المضطهدة)..

والعجيب أكثر أن طلاباً من الفصول الأخرى انضموا للطبقة المتسلطة (وأخذوا المسألة جد) وأصبحوا يتعاملون بشكل قاس وظالم مع المضطهدين الأربعة دون أن يدفعهم لذلك خوف من عقوبة أو طمع في مكافأة..

ورغم أن إدارة المدرسة أوقفت التجربة ونقلت الطلاب "المضطهدين" إلى مدرسة أخرى (كونهم أصبحوا مستباحين من قبل الجميع) أكدت التجربة ذاتها سهولة انقسام المجتمعات المنهارة إلى ثلاث طبقات:

طبقة متسلطة صغيرة (تملك السلطة والسلاح)..

وطبقة صامتة متغاضية (تشكل الشريحة الأوسع من الناس)..

وأقلية مستضعفة يتم اضطهادها على أسس تافهه (عرقية أو مذهبية أو حتى تاريخية)..

ورغم إيقاف المعلم جونز عن التدريس إلا أن تجربته لفتت انتباه الطلاب إلى أنهم تحولوا بدورهم إلى "نازيين" بلا سبب وبلغ إعجاب علماء النفس بها حد تكرارها على نطاق واسع!

... أما إن كان الأمر يهمك أنت وترغب بمعرفة المزيد (حول كيفية انقسامنا وتحولنا إلى طغاة لأتفه الأسباب) فما عليك سوى البحث في النت عن المقالات التالية:

- "الجانب الذي لا تعرفه عن نفسك"

- "تجربة ستانفورد"

- "من أنت حتى تحكم عليهم بلحظات"

.. المهم فعلاً أن تتذكر أن هذه هي طبيعتنا البشرية مالم نَعِ هذه النقيصة في أنفسنا ونُحصن أفكارنا.. وأبناءنا.. ضدها..

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.