لوعة سعود
من قصائد خالد الفيصل العاطفية تلك التي مطلعها «لا واهنيك داله يا سعود / تمشي وقلبك دايم سالي»، و«داله» في المحكية السعودية النجدية تعني خالي البال، والمخاطب هو فقيد السياسة العالمية الأمير سعود الفيصل، كما درج الشعراء على مخاطبة القريب إلى نفوسهم. ولخالد الفيصل أكثر من قصيدة يتوجد فيها شاكياً إلى أخيه سعود، وهو يقصد في البيت أعلاه أنه خالي البال مما يلم بالشاعر من اللوعة، إذ يأتي بعدها بيت يقول فيه «ما لاعك اللي لاعني يا سعود/ ولا شكيت مفارق الغالي».
المفارقة الإنسانية العميقة ذات الدلالة الوطنية المشرفة أن سعود الفيصل لم يكن يوماً، ولنصف قرن خدم فيها السعودية والأمتين العربية والإسلامية، خالي البال، فقد أرقته دوماً حال الأمتين، وأضناه جسده كثيراً وهو يطير بين عواصم العالم، حتى لتحسبه قضى جزءاً غير يسير من عمره في الطائرات.
اللوعة أصابت السعوديين من قائدهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حتى أصغر مغرد فيهم على الإعلام الاجتماعي، وبدت كلمات بيان الديوان الملكي معبرة عن حزن العاهل السعودي بفقد قامة وهامة سياسية عالمية حملت على كتفها هموم بلادها وهموم قضايا الأمة إلى درجة - ربما - أوصلته من التعب والإرهاق وآلام الظهر وفقرات الرقبة إلى أن يمثل واقعياً قول ابن عمه الشاعر الأمير بدر بن عبدالمحسن «الحمل ما هو اللي تشيله كتوفي/ الموت لا صارت كتوفي هي الحمل».
التقيته مرات يسيرة، أهمها مرتان، الأولى عندما أنابني الزميل داود الشريان لحضور اجتماعه الشهري برؤساء التحرير وقادة الرأي، والثانية قبل أشهر قليلة عندما استضاف في مكتبه أعضاء مجلس إدارة الجمعية السعودية لكتاب الرأي، مع بعض الكتاب الآخرين، ولن أضيف جديداً إذا قلت إن حديثه ثري آسر، وساعتان معه تعدلان قراءة كتاب أو اثنين في السياسة والاجتماع والتحضر وكيف يكون الحضور.
شهادات الناس فيه معظمها عاطفية، لكن شهادات الملوك السعوديين الذي تعاقبوا على الحكم فيه هي الشهادة المهنية التي جعلته نجماً سعودياً يفاخر به الشعب ويجعل قائد الشعب الملك سلمان بن عبدالعزيز يلبي طلبه بالإعفاء لظروفه الصحية بصعوبة على نفسه، صعوبة ذكرها في خطابه الشهير الجميل الوفي له، وهو الخطاب الذي يكرس أن ملكنا بالفعل هو ملك الوفاء.
لا يذكر ديبلوماسيو العالم ومن قبلهم قادة الدول أن التعبير الدقيق قد خانه، كان حديثه فخماً في اعتداده، كونه يمثل مليكه، ومتواضعاً في لقائه كونه يمثل نفسه، ولكل تصريح له أو تعليق كانت هناك قصة جديدة، أو نقض وهدم لقصص وافتراءات كثيرة، جعلت خصومه قبل أصدقائه يحترمونه ويحترمون بلداً قادته يعرفون كيف يختارون من يمثلهم.
انتقل سعود الفيصل إلى رحمة ربه تحفه دموع السعوديين قيادة وشعباً، عاش أنيقاً، ذكياً، شفافاً، ورحل بهدوء على رغم آلامه، رحل في شهر الخير والرحمة والبركات، فله منا جميعاً الامتنان الذي لا ينقطع، كعمله الصالح الذي قدمه بإخلاص لوطنه ومواطنيه.
رحمك الله يا سعود.
* نقلا عن "الحياة" اللندنية