.
.
.
.

الاختراق المطلوب في مصر

محمد علي فرحات

نشر في: آخر تحديث:

يفتتح المصريون غداً قناة سويس موازية، من البحيرات المرة الى بورسعيد، في احتفالية يشاركهم فيها الأصدقاء في الإقليم والعالم. إنه إنجاز إيجابي في مرحلة الحروب والتراجعات. وإذا كان الشعب المصري استجاب نداء قيادته بالمشاركة في تمويل تفريعة القناة التي أنجزت في وقت قياسي، فالحري أن تكون هذه التجربة بداية لمشاريع مماثلة يتضامن حولها المجتمع وتتميز بالسلاسة الإدارية والشفافية.

أمام الإدارة المصرية مهمات ملحة في الداخل وفي الإقليم، في وقت تتعرض سيناء ومدن في الدلتا الى أعمال تخريب وإرهاب يتهم بها المتطرفون الإسلاميون و «الإخوان».

ويمكن وضع المهمات المطروحة على الإدارة المصرية في الآتي:

- المواجهة الأمنية مع الإرهاب والمعارضة المسلحة، مصحوبة بعناية موازية بسلامة التحقيق لدى الشرطة، وبسلاسة المحاكمة ووضوحها، في حرص على استقلال للقضاء يحفظ نزاهته.

- التحلي بالجرأة لكسر الحلقة المفرغة التي دخلت مصر مبكراً في دوامتها، تحديداً حين استولى الضباط الأحرار على الحكم في العام 1954، وألغوا الحياة السياسية المعبر عنها بنظام برلماني تميز بنزعة ليبرالية وانفتاح على العالم.

وبدل تداول السلطة، في مستوى الأكثرية البرلمانية والحكومة، استند حكم الثورة الى ثنائية الجيش- «الإخوان»، وكان الشعب في الأزمات المفصلية يوضع أمام اختيار وحيد: الجيش أم «الإخوان»؟ فيختار الجيش، وهذا ما حدث حين خطف «الإخوان» ثورة 25 يناير وحكموا بطريقة فاشلة أدخلت المجتمع في صراعات بدائية وألهته عن أهداف الثورة، لذلك اختار المصريون الجيش كمخلّص من جحيم «الإخوان».

إنه اختيار المضطر. هذا ما تدركه جيداً السلطة المصرية، فليس ممكناً الاستمرار الى ما لا نهاية في عبثية ثنائية الجيش- «الإخوان»، خصوصاً أن «الجماعة» تشاغب على الدولة والمجتمع المصريين من خلال تنظيمها الدولي وعهودها لدول كبرى بتأمين مصالحها إذا قبض «الإخوان» على الحكم أو شاركوا فيه.

لقد تلقى المجتمع الأهلي المصري بأشكاله التقليدية الحديثة ضربات موجعة من «الإخوان»، وهو يتعرض أخيراً لإهمال وتهميش لا يخفيان على من يراقب الأحداث المصرية، في حين أن هذا المجتمع الأهلي المدني هو المهيأ لشراكة حقيقية مع الجيش، بل لاحتضان الجيش و «إنقاذه» من تعقيدات الحكم وهوامشه وتفاصيله ليصبح سنداً وحامياً للدولة والمجتمع.

بذلك يمكن الحكم المصري اليوم اختراق الثنائية العبثية (الجيش/ الإخوان) لمصلحة دولة مدنية ديموقراطية يتحلق حولها المصريون ويتحمسون لها كما تحلقوا حول ثورة 25 يناير وتحمسوا لقناة السويس الجديدة. مثل هذا الاختراق ليس سهلاً بعد نصف قرن من توسع الجيش في مؤسسات اقتصادية خاصة به، ومن نظرة «الإخوان» الى أنفسهم كمعارضة وحيدة وبديل وحيد. هذا الاختراق يعيد السياسة الى نصابها في مصر كما يعيد للشعب اعتباره كمصدر للسلطة بعدما جرى تهميشه واختصاره برموز هشة ومفروضة.

- ومصر المنشغلة بترميم نفسها يطلبها الإقليم كواحد من مراكزه الأساسية، والطلب ملحّ في هذه المرحلة الحرجة، إذ تتجه الدول الكبرى الى تهميش العرب معتمدة ثلاثة مراكز غير عربية في الإقليم هي: إسرائيل وإيران وتركيا.

من هنا أهمية الاجتماعات المكثفة بين القياديين السعوديين والمصريين، لإعادة إرساء محور قومي عربي هو المعبر عن أهل الإقليم ومصالحهم. وفي إمكان تعاون سعودي - مصري مستمر أن يثبت مركز العرب في إقليمهم ويضع إسرائيل وتركيا وإيران في أحجامها الحقيقية.

ولئلا تموت السياسة، ومن أجل تنشيط المؤسسات العامة وتحسين أدائها، ومع العودة الى الشعب كمصدر للسلطة، تمكن مصر استعادة حيويتها التي شهدنا مثلاً عليها في الالتفاف حول قناة السويس الجديدة وإنجازها في وقت قياسي مصحوب بفرح الوطنية والانتماء.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.