قمبيز ما زال على قيد الحياة

علي سالم
علي سالم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

لقد رأينا الملك الفارسي يخطب لابنه أميرة مصرية، كان ذلك في الثلث الأول من القرن السادس قبل الميلاد، وفي عام 1939 ميلادية؛ أي بعد 2500 عام تقريبًا، رأينا شاه إيران الأسبق رضا بهلوي يقوم بالفعل نفسه، أي يخطب فتاة مصرية، وهي الأميرة فوزية أخت ملك مصر والسودان، لابنه شاه إيران السابق.. هل هي صدفة؟
لسنا إزاء قصة حب بين أمير فارسي وأميرة مصرية.. لا أحد منهما رأى الآخر قبل ذلك.
تستطيع أن تتكلم عن مصالح الإمبراطور الإيراني التي ستتحقق عن طريق هذه المصاهرة، وعندما نتكلم عن المصالح وعن الحكم، فلا بد أننا نتكلم عن حسابات الوعي. غير أن قرائي يعرفون أنني لا أثق كثيرًا في تفسير سلوك البشر مستندًا إلى حسابات الوعي، لأني أؤمن بما قاله العالِم يونغ من أن للبشر جميعًا لاوعيًا واحدًا هو دفتر تسجيل لمراحل تاريخهم، وأنهم يمشون في حياتهم مسترشدين بهذا اللاوعي. الزواج في الحالين لم يكن مقصودًا لذاته، بل كان مقدمة ووسيلة للغزو. هذه عقول تفكر في الزواج على أنه انتصار في معركة أو تمهيد للانتصار في معركة. الزوجة هنا هي قسط أول من صفقة أكبر، هي عربون. الحادثان يلخصان علاقة فارس بشعوب المنطقة جميعًا. هم يرون أنهم من طينة مختلفة.. طينة أغلى وأرقى، هم يستحقون أن يكونوا أسيادًا ونحن نستحق أن نكون عبيدًا لهم. قورش الأكبر ما زال يجلس متربعًا داخل عقولهم، غزو المنطقة كلها هو حلم قمبيز وأحفاده. وإذا تصورت أن الثورات تغير آليات التفكير الأساسية في نفوس البشر، أو رغباتهم القديمة التي مر عليها آلاف السنين، فأنت واهم.
هذه الرغبة القوية في السيطرة على المنطقة تصطدم بأخطر حقائق العصر، وهي أنه غير مسموح الآن لأحد بالزحف بقواته إلى بلد آخر. غير أن هذه العقبة لا تمثل أهمية بالنسبة لهم، ولماذا نزحف إليهم في وضح النهار؟ لدينا أتباع يجيدون التنكر والإخفاء والتمويه.. ستكون هذه هي وسيلتنا لغزوهم.. وفى كل الأحوال، حتى لو اكتفينا بإزعاجهم ليل نهار، فهذا أمر يشعرنا بالارتياح والتفوق.
من غير أن أكون باحثًا في التاريخ، أتصور أن سلطات الحكم في فارس لم تكن تشعر بالود تجاه بقية سكان المنطقة، كان هذا هو موقفهم لآلاف السنين. بهذا التصور أستطيع أن أفسر ذلك المشهد الغريب الذي يدور الآن على مسرح الأحداث. مسؤول إيراني كبير هو وزير الخارجية السيد جواد ظريف، يغني أغنية سلام جميلة في أنحاء المنطقة تقول مفرداتها: اطمئنوا إلينا.. ثقوا في نياتنا.. نحن نريد أن نتعاون معكم.. ونريدكم أن تتعاونوا معنا من أجل حاضر هذه المنطقة.. يا حبيبي.. يا ليل يا عين..
وفى الوقت نفسه ينشد رئيسه ومرشده الأعلى نشيدًا آخر أقرب إلى أناشيد الحرب.. يتوعد فيه بلاد المنطقة ويهدد أهلها ويشرح لهم أن سياسة تصدير الإزعاج والمتاعب والقلاقل مستمرة، وأن الاتفاقية التي عقدتها إيران مع العالم، خاصة بالنشاط النووي فقط، أي إن إيران لم تتعهد بتغيير سياستها في المنطقة.. ترى من نصدق؛ أغاني السيد روحاني وجواد ظريف، أم أناشيد الحرب التي ينشدها المرشد الأعلى؟
كما ترى.. قمبيز ما زال على قيد الحياة.

التاريخ لا يغادر مكانه، هو قابع هناك داخل لا وعي البشر في انتظار اللحظة التي يقفز فيها خارجًا من لا وعيهم ليمارس رغباته، ما كان جدك يعمل على تحقيقه منذ آلاف السنين، تتوق أنت لفعله عندما تتاح لك الفرصة.
بعد أن انتهى قمبيز من احتلال مصر، أخذ يعد العدة لغزو الحبشة. فأرسل مجموعة عمل استخباراتية من آكلي السمك» إلى ملك الحبشة ومعهم هدايا كثيرة وكلمات معسولة عن الرغبة في صداقته. غير أن ملك الحبشة كشفهم وردهم إلى مصر. وقال لهم: أبلغوا ملككم أنني مستاء أشد الاستياء لغزوه مصر التي لم تسبب له أي نوع من أنواع الأذى.. وأعطوه هذا القوس.. عندما يتمكن من جذبه إلى الوراء، سيتمكن من غزو بلدي.
كان القوس مصنوعا من خشب قوي للغاية في حاجة لهرقل ليتمكن من شدّه إلى الوراء. طبعًا هي هدية تحمل إهانة في إطار مهذب، هو يتهم قمبيز بأنه أضعف من أن يستخدم هذا القوس، وهو يتحداه أن يحاول غزو الحبشة. وبالفعل لم يفكر قمبيز في غزو الحبشة. الواقعة رواها الكهنة المصريون لهيرودوت عند زيارته لمصر. ولكني توقفت طويلاً أمام تلك الصفة الغريبة التي وصف بها المجموعة الاستخباراتية.. ماذا يعني بآكلي السمك.. ألا تأكل الناس جميعًا السمك؟ أم أن هذا المصطلح يعني شيئًا آخر ليس له صلة بالسمك؟ ولما كنت أعرف أن مرور آلاف السنين لا تمحو الأساطير القديمة من أفئدة البشر، لذلك سألت صديقي الروائي المصري النوبي حجاج أدول: ما هي حكاية السمك عندكم؟
كنت على ثقة أنه من الممكن أن تجد بسهولة آثار الأساطير والمعتقدات المصرية القديمة عند الورثة من أهل النوبة. قال لي أدول: أهل النوبة يعتقدون أن الأسماك تسكنها أرواح البشر.. وأنك عندما تأكل سمكة فربما كنت تأكل روحا لمتوفى هو قريب لك.. عندما انتقلنا من النوبة إلى الإسكندرية، عندما كنا نستدعي بائع السمك المتجول ليصعد إلى بيتنا، كانت أمي تغادر البيت على الفور، لم تكن تطيق رؤيتنا ونحن نشتري السمك أو نطهوه.
فهمت من ذلك أن الصفة التي أطلقها هيرودوت على هذه المجموعة الاستخباراتية، تعني أنهم ككل المكلفين بأعمال خطرة، لا يشعرون بضعف تجاه أي أحد أو أي شيء.
ترى.. هل أفلح مرور آلاف السنين في القضاء وإنهاء حكاية السمك هذه من ثقافة المصريين الشعبية؟ الإجابة هي لا أعتقد ذلك ودليلي هو ذلك المصطلح المصري الشهير أن فلانا «مقطّع السمكة وديلها» وهو ما نصف به الشخص الماكر شديد الحذق صاحب التجارب الكثيرة والمتنوعة في شؤون الحياة.. بالتأكيد هو آكل السمك القديم الذي تكلم عنه هيرودوت. هو لا يأكلها فقط، بل قادر على تقشيرها وتقطيعها بما في ذلك ذيلها. قد تتساءل وهل هذا الأمر في حاجة إلى قدرات خاصة؟ وأرد عليك كدمياطي أصيل من آكلي السمك، كثيرون من أصدقائي يعجزون عن التعامل مع السمكة بطريقة صحيحة، ويطلبون منا نحن المحترفين أن نساعدهم في تقشيرها والتعامل مع أجزائها المختفية. أؤكد لك أنه ليس لديّ شك في وجود علاقة قوية بين ما قاله هيرودوت عن آكلي السمك وهذا المصطلح الشعبي الشهير؟
ولو كان الأمر غير ذلك، لقال المصطلح الشعبي إن فلانا «مقطّع الفول المدمس أو الطعمية أو العدس أو البصارة أو المحشي أو.. أو.. إلى آخر الأوأوات المعروفة التي يجيدها المثقفون».

نقلاً عن "الشرق الأوسط": قمبيز ما زال على قيد الحياة، قمبيز.. آخر مرة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط