فيروس كورونا.. وأباطيل نجوم الإعجاز
تتداول الصحف منذ ثلاث سنوات موضوع اكتشاف بعض الدعاة المهتمّين بالإعجاز العلمي لعلاج يسحق الفيروس "كورونا". علاجات بالجملة ومقولات مطولة لقيت رواجاً هائلاً لدى المجتمعات، آخرها ما نسب بالأمس إلى وزارة الصحة وتم نفيه بسرعة حول تعاونٍ بين الوزارة وأحد الدعاة لوضع مشروع علاجٍ لهذا الداء.
الداعية اليمني الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس جامعة الإيمان، كان قد نشر موقع "الجزيرة.نت" قبل فترة أنه حصل على براءة اختراع دواء لعلاج مرض الإيدز، من منظمة ويبو العالمية التابعة للأمم المتحدة، وقال إن علاجه قابل للتصنيع، لكنه يسعى حاليا لحماية اختراعه في 185 دولة في العالم.
بينما الداعية السعودي خالد الشايع وفي حديثه لموقع cnn وجه نداء إلى وزارة الصحة السعودية ومركز الأبحاث التخصصي في المملكة لإجراء الأبحاث على مادة "القسط" الموجودة في العود الهندي ودراسة تأثيراتها المحتملة على فيروس "كورونا".
هذه القصة خلاصتها أن هناك استعادة لموضوع الإعجاز العلمي في النصوص الدينية وإسقاطها على الحادث من المشكلات الصحية وادعاء وجود علاجٍ من خلال تأويلاتٍ متعسفة، إذ تلوى النصوص لتحويلها من نصوصٍ تشريعية دينية إلى نصوصٍ طبية أو علمية أو فيزيائية أو كيميائية، لكن ما أصل هذه الحالة وجذرها؟!
يذكر بعض المؤرخين أن النزعة العلمية التفسيرية برزت إبّان نضج حركة العلوم الكونية في قرن التأسيس وازدهار الترجمة وذلك في القرن الخامس الهجري، وهي في بداياتها كانت مجرد "شكل من محاولات التوفيق بين الإسلام وبين ما ترجم من ثقافات أجنبية وما استحدث من علوم البيئة الإسلامية" (الأنصاري)، منذ تلك اللحظة برزت إحدى أهم الإشكاليات مؤجّلة الحسم كحال الكثير من الإشكاليات الإسلامية- وربما كان من أبرز الإشكاليات التي أُجّل حسمها (موقف الدين من العلم) مثلاً وهو إشكال ينبض به التمسك الأعمى بالإعجاز العلمي، إذ يصرّ البعض على جذب النص إلى منطقة ليست من وظائفه تحليلها أو تأويلها أو علاجها وفحصها.
الغزالي أكثر من عمل على ترويج "التفسير العلمي'' وهو ممن أسّس ووضع أسس التفسير العلمي للقرآن الكريم ويستدل الغزالي على فعله بقولٍ لابن مسعود: ''من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن''، ويُكسب الغزالي رأيه وضوحاً حين يقول في كتابه (إحياء علوم الدين) ''بل كل ما أشكل على النظّار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن رموز ودلالات عليه يختص أهل العلم بدركها''! أيّد الغزالي في ذلك الرأي السيوطي في كتاب ''الإتقان'' حيث أكد على أن ''الصنائع مذكورة في القرآن كالخياطة في قوله تعالى (وطفقا يخصفان) والحدادة في قوله: (آتوني زبر الحديد) والنجارة في قوله (واصنع الفلك بأعيننا)، ومن ثمّ أتى الفخر الرازي606هـ صاحب (مفاتيح الغيب) المشتهر بـ(التفسير الكبير) فأسقط كل ما استحدث من ثقافة علمية وفكرية على آيات القرآن الكريم حتى قيل عن تفسيره (لقد قال الفخر الرازي كل شيء في تفسيره إلا التفسير) ومن ثم تفجّرت العلوم وازداد الموفِّقون (مدرسة التفسير العلمي) في تحوير المخترعات لتصبح من قبيل المنصوص عليها في الشريعة.
في العصر الحديث برز جيل من المتأثرين بمدرسة الغزالي مثل البيضاوي691هـ والقمّي النيسابوري 728هـ والزركشي 794هـ والجلال السيوطي، وأبي الفضل المرسي، وغيرهم. ويعتبر الإمام الشاطبي من أوائل من أنكر هذا التوجه حيث ينفي في كتابه الشهير (الموافقات) دعوى ''احتواء النصوص للعلوم الكونية''ويفند دعاوى من ''أضاف إلى القرآن علوم الأولين والآخرين''، ويقرر أن الشريعة نزلت على "أميّين" وينبني على هذا الفرض قواعد (أهمها أنها جارية على مذهب أهلها فكثير من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم كالهندسة وغيرها من الرياضيات والمنطق وعلم الحروف وهذا إذا عرضناه على ماتقدم -من كون الشريعة على مذهب أهلها-لم يصح).
وفي بداية القرن العشرين عاشت الصحافة المصرية سجالاً بين فريقين من العلماء في شأن (التفسير العلمي) الجديد في المرحلة الأخيرة أن الكثير ممن انتصر للـ(تفسير العلمي) هم من طلاب العلوم الطبيعية، فجزء غير قليل من أنصار ذلك الاتجاه هم من الأطباء وعلماء الأحياء والفيزياء، والجزء القليل من علماء الشريعة سواء من جامعة الأزهر، أو من (جامعات شرعية أخرى).
يذكر محمد جابر الأنصاري في أطروحته الأهم (الفكر العربي وصراع الأضداد) أن الشيخ محمد عبده هو من استهل التفسير العلمي في العصر الحديث، وفي عام 1923هـ بدأ الشيخ طنطاوي جوهري الأستاذ بكلية دار العلوم المصرية بإخراج تفسيره الذي ناهز 26 جزءاً، فسّر فيه القرآن تفسيراً علمياً استوعب بداخله مختلف المعارف المعاصرة من علمية وإنسانية بل حتى صحافية، وفي عام 1941م نجد محمد شلتوت يدحض حجج مفسري العلم بالدين حيث يصف تلك النظرية بـ(الخاطئة لأن الله لم ينزل القرآن ليكون كتاباً يتحدث فيه الناس عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف، فهي تعرّض القرآن للدوران مع العلوم في كل زمان ومكان والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الأخير) كما عارض هذا الاتجاه مجموعة أخرى مثل أمين الخولي، ومحمد مصطفى المراغي، وعبد الحليم محمود، وعبد الله المشد، وأبو بكر ذكري، وسيد قطب، ويوسف القرضاوي ومحمود شاكر.
ربما تكون المشكلة الأساسية في تذبذب رموز الإسلام بل وفي عجزهم عن صياغة موقف يوضح علاقة واضحة بين الدين والعلم، بعد قرن من الحرب بين فرقاء الرأي في (التفسير العلمي) فمحمد شلتوت حينما يؤكد على أن العلم متغيّر والشريعة ثابتة يقارب صياغة عقلانية، ذلك أنه يقصر موقف القرآن على (الإذن) و(الحث على التدبر والتعلّم والسير في الأرض وقراءة الكون) في حين يرى الآخرون أن القرآن محل (إعجاز بياني) وليس للإعجاز التقني. وفي العصر الحديث أصبح من المتعسّر حصر هواة (التفسير العلمي).
في هذه الفترة ومع موجة الإنترنت وصرعات التواصل الاجتماعي صنعت عشرات المواقع التي تعنى بهذا الجانب، وخصّصتْ الفضائيات برامج على قدر كبير من التقنية لإثبات أن المخترعات الحديثة كلها مذكورة في القرآن الكريم، بأداء وثوقي كبير، ويعتبر عبد المجيد الزنداني، ومصطفى محمود، وزغلول النجار، ويوسف مروة، أحد أبرز الأسماء في تاريخ التفسير العلمي، وفي رابطة العالم الإسلامي منظّمة علمية ذات شخصية اعتبارية تابعة للرابطة أنشئت عام 1404هـ. وأصبح الكتّاب في التفسير العلمي كثراً مما يصعّب حصرهم، بل وتناسلوا إعلامياً ليحتلوا منابر إعلامية، المشكلة أن الإعجاز العلمي مجرد عملية "تجيير" للاكتشاف الجديد ووضعه من نصيبنا بطرق متعددة، خاصة وأن استغلال سعة النص القرآني وقابليته للتأويل لصالح تجيير الاكتشاف آلية غير موضوعية على الإطلاق.
إن الذي نشره هؤلاء الدعاة، وجلبة اكتشاف العلاجات التي روجوها زعماً بأنها خلاصة مستلّة من النصوص المقدسة -والتي تكتسب مديونتها المعنوية لدى المسلمين- لهو تضليل فج ولابد من المؤسسات الدينية من لجم هذه الظاهرة وملاحقة المروجين للأكاذيب والأباطيل، ذلك أن العلم بكل ما ينتجه من ابتكاراتٍ طبية أو سواها هو صديق للإنسان، وإذا كان الدين روح الإنسان، فإن العلم مبناه ومعناه، وما ظاهرة الإعجاز هذه إلا فتنة مضرة تفصل الإنسان عن واقعه ودنياه وحاجته إلى الاكتشاف المستمر في أرض الله وخلقه.