مفتاح بناء الشخصية المسلمة

شوقي علام
شوقي علام
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ربه عز وجل قرابة ثلاثة عشر عاما يؤسس للإيمان فى قلوب المؤمنين ويعمق الأخلاق فى نفوسهم حتى إن بعضهم كان يلقى حرارة الصحراء الشديدة ويوضع الحجر على صدره وما يحيد قيد أنملة عما وقر فى قلبه من حب الله تعالى وحب رسوله، صلى الله عليه وسلم، وما برح عن قوله أحد أحد. تلك الكلمة التى عَنْوَن بها هذا الصحابى الدين كله فى قلبه والذى خلق جيلا عظيما لا يتكرر فى تاريخ البشرية، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له بالتفرد والخيرية، فقال: «خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم».

وهذا ميراث النبيين، فقد ترك نبى الله إبراهيم، عليه السلام، ولده إسماعيل فى واد غير ذى زرع عند بيت الله الحرام، وقالت له زوجه هاجر: آلله أمرك بهذا، قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا.

فالأساس فى التربية والبناء الأخلاقى هو تعمير القلوب بالإيمان، فالقلوب هى المحركة للأبدان، ولا صلاح للحال إلا بصلاحها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب».

وبذل الزمن الطويل فى بناء الإنسان ليس مضيعة للوقت، بل لا استعجال فى ذلك، ألا ترى أن أطول فترة للطفولة هى للإنسان دون بقية المخلوقات، للدلالة على طول فترة البناء التى تلزم له.

إن تعميق الإيمان فى القلوب هو الأساس فى بناء الشخصية المسلمة فمنه تتعمق الأخلاق الفاضلة، وتأتى القابلية الحقيقية لأداء التكاليف العملية، مما يساعد فى صورة حقيقية للوصول إلى مرحلة التنفيذ الجاد للقانون والتصرف الحضارى فى الحياة اليومية.

ولهذا كانت المرحلة المكية من عمر الرسالة المحمدية هامة فى إيجاد الضمير الإيمانى فى المسلم وتربيته على حب الدين وجعله فى الرتبة الأولى من أوليات الإنسان، وكان حب الخير وتمنيه للآخر من الأسس التى ركز عليها التشريع فى هذه المرحلة، وسار عليها المسلم فى كل العصور.

فالإيمان الصادق والعلاقة بالله هو قوة إيجابية فعالة قادرة على تربية الروح وترويضها، وتغذيتها وتطبيبها؛ فإن الإنسان كما يقال روح غذاؤه الإيمان، والروح من أمر الله، فعلاجها لا يكون إلا ربانيًّا من توجيه الله، ومحاولة غير ذلك استدبار للواقع ومشى على الرؤوس.

إن المرء إذا اعتنى بتربية روحه وتغذيتها ووقايتها، شأن اعتنائه بتربية جسمه وتغذيته ووقايته، واستعان فى ذلك بأطباء النفوس العارفين بالله تعالى، فإن الروح لا تلبث أن تقوى وترتقى، وتطلب مقتضاها الطبيعى المركوز فى طبيعتها النورانية وانطلاقها الذاتى، من حيث إدراك الأسرار والنفاذ إلى الحقائق، والتمتع بالقوة والغلبة، ومن ثم القدرة على الإدارة والتوجيه، شأن بلوغ الجسم غايته واضطلاعه بالمهام المنوطة به من المشى والحمل والمجالدة والكدح والكفاح سواء بسواء.

وإذا قويت الروح فإنها ترتقى بالإنسانية فى نفس المؤمن؛ فيتمتع الفرد بنصيبه من نفحات الإشراق والإلهام والربانية، ويكون ضميرُه رقيبَه وحسيبَه، فيستمسك بمعاقد الكمال، الذى ينقله إلى مقام الترفع والسير فى جانب الحق، وبهذا يُقضى على الفتنة والفساد والقلق، كأثر طبيعى للسمو الروحى والصفاء الوجدانى.

وعلى هذا فالبناء الأخلاقى هو العلاج الوحيد لكل ما أصاب الإنسانية أفرادًا وجماعات من آثار طغيان المادة، التى مكَّنت للرذائل، ووطَّأت للإلحاد، وأغرت بالمفاسد والغايات الخسيسة، أما العلاج السطحى بمجرد الأمر والنهى، والموروث من التهديد والوعيد، والوعظ والإرشاد الآلى الميت، فهو تخييل وضياع وإمعان فى الخسران، فالعلاج إنما يجب أن يبدأ من الأصول والأعماق.

لقد قامت فى مجتمعنا العربى والإسلامى تيارات كثيرة، بأشكال وأسماء ومناهج متعددة ومتباينة، وكلها تدعو إلى المنهج الإسلامى وتجاهد من أجل عودة المجتمعات الإسلامية إلى جادة الصواب، لكن–وهذا مكمن الخطر - لا يوجد فيها من اعتمد منهج البناء الأخلاقى كأساس للعودة إلى الله تعالى وكأساس لصلاح الفرد والمجتمع.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط