.
.
.
.

عاصفة اللجوء وتوابعها

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

عاصفة اللجوء إلى البلدان الأوروبية استقبلتها في هذه البلدان عاصفة من الترحيب من جانب الشعوب وبعض حكوماتها، وبخاصة ألمانيا والنمسا. وفي بلداننا أثار الموقف الإنساني الأوروبي عاصفة من الإعجاب بأخلاق الأوروبيين والنقمة على أخلاق مجتمعاتنا وحكوماتنا العربية والاسلامية التي لم تبال بمحنة اللاجئين السوريين والعراقيين والليبين وسواهم.

الذين عاشوا في أوروبا يعرفون أن لا غرابة في الأمر، وان الغرابة كانت ستكون لو أن شعوب أوروبا وحكوماتها قد اتخذت موقفا نقيضاً، ففي مجتمعات يحنو فيها الناس على القطط والكلاب والعصافير كما تحنو الأم على وليدها ما كان يمكن لها إلا أن تشعر بالصدمة والاستفزاز وتتزلزل ضمائرها وأنفسها، وإلا أن تُظهر كل التفهم لمحنة اللاجئين.

الحسّ الانساني العالي راسخ الجذور في المجتمعات المتحضرة من اليابان الى الأميركيتين. ومنذ مئة وثلاثين سنة عبّر الشيخ محمد عبدة (1849 – 1905) عن ذلك بقوله إنه وجد الإسلام في فرنسا التي ليس فيها مسلمون، فيما خلّف وراءه، في مصر وسائر بلاد الاسلام، مسلمين من دون إسلام.

في أوروبا وسائر البلدان المتحضرة يتجذّر الحسّ الانساني المرهف منذ الطفولة المبكرة. في البيت لا يعيش الطفل مع العنف الأسري المتواصل والمتفاقم كما هي حال أطفالنا، وفي الحارة والشارع لا يرى الطفل المشاهد المعتادة في حاراتنا وشوارعنا من خناقات وتشاتم وتنابز بالألقاب والاسماء بين الناس ومعاملة قاسية للحيوانات. وفي المدرسة لا يتعلم التلاميذ ما اعتدنا نحن واباؤنا واجدادنا على تعلّمه في دروس التاريخ والدين (أو التربية الاسلامية) من تشجيع على القسوة وتحريض على العنف. وفي الكنيسة لا يسمع مرتادوها الخطب المكفّرة والمحرضة على القتل والسبي، بل يستمعون الى العظات التي تحث على المغفرة والتسامح. وعبر وسائل الإعلام لا تُعرض على الجمهور مشاهد قطع رقاب البشر وشيّهم معلّقين كما الطرائد، وإغراقهم أو إحراقهم مقيّدين داخل الأقفاص، لأن هذا مما يمس بقواعد المهنة وأخلاقياتها.

أعجبتكم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وهي تبكي من أجل اللاجئيين السوريين والعراقيين؟ أحببتم الألمان والنمساويين وهم يتظاهرون ضد حرس الحدود في بلديهما لأنه حاول إعاقة دخول اللاجئين الى هذين البلدين؟ قدّرتم للمواطنين الأوربيين وهم يتسابقون لتوفير الخيم والملابس والأغذية للاجئين؟.. نحن أيضاً يمكن ان نكون مثلهم، وبلداننا يمكن أن تكون مثل بلدانهم غير طاردة لمواطنيها وفاتحة أذرعها لضحايا الكوارث الطبيعية والمحن السياسية.. نعم يمكن لنا أن نكون كذلك إذا ما أعدنا النظر جذرياً في نظامنا السياسي المتوحش، وفي نظامنا الاجتماعي المتخلف، وفي مناهجنا التعليمية البائدة، وفي نظامنا الاعلامي الخارج على اخلاقيات المهنة، وفي نظامنا الديني الذي يفسّر النصوص تفسيراً متوحشاً يحضّ على الكراهية والعسف حيال الآخر المختلف، بل حتى حيال أبناء الدين الإسلامي أنفسهم!

هذا بطبيعة الحال يتطلب ثورة مخملية يشعل فتيلها المثقفون.

*نقلاً عن صحيفة "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.