وما زلنا نمارس الغش والخداع!
صبر الشعب المصرى طويلاً واحتمل من صنوف المعاناة عبر عقود كثيرة ما لا يتصوره أحد، وإذ به يفاجئنا بعد أن فاض به الكيل بثورة ٢٥ يناير.. ظهر منه فى الأيام الأولى عقب تنحية «مبارك» تصرفات وسلوكيات تتسم بالعراقة والأصالة لكن للأسف لم تدُم هذه طويلاً، إذ سرعان ما بدأ الفرقاء كل يبحث عن نصيبه من الغنائم.. وكانت «غزوة الصناديق»، وانقسام المجتمع إلى فسطاطين؛ أحدهما «إسلامى» والآخر «علمانى»!! نسى الفرقاء أنهم كانوا أصحاب هم واحد، ووجع واحد، وأنه لولا تكاتفهم وتماسكهم لما كانت هناك ثورة ولما تنحى مبارك.. باختصار، انكشف المستور، وكشف الشعب عن أسوأ ما عنده: انتهازية بغيضة وأنانية مفرطة وغش غير مسبوق وخداع لا حدود له.. تأمل البعض المشهد وتساءل (باستغراب واندهاش): هل هذا هو الشعب الذى قام بالثورة التى بهرت العالم؟ أجاب البعض، قائلاً: نعم هو.. ثم استطرد يشرح العلة ليقول: إن الشعب المصرى تظهر عراقته وأصالته وقت الشدة وفى الأزمات، فإذا زالت الشدة وانفرجت الأزمة، عاد مسرعاً إلى سابق عهده.. لقد كانت الثورة غطاءً مؤقتاً أخفى تحته كل المساوئ، وكان بديهياً ألا يتمكن الشعب من التخلص منها فى هذا الوقت القصير.. فإذا ما وضعنا فى اعتبارنا أن هذه المساوئ جاءت نتيجة تراكمات لمئات السنين، وأن هناك من يسعى ويخطط لكى يظل الشعب المصرى على هذه الحال السيئة، على اعتبار أن نهضة الشعوب العربية مرهونة بنهضة شعب مصر، لأدركنا كم من الجهد والوقت يلزمنا لإحداث التغيير المأمول.. لكن المشكلة الكبرى تكمن فى التعايش العجيب مع هذه المساوئ، وفى الاستسلام المزرى والمخجل لما يريده لنا أعداؤنا وخصومنا.. فهل وصلنا إلى مرحلة أو نقطة اللاعودة؟! وهل لا بد من شدة أو أزمة تستمر لأطول فترة ممكنة حتى يظهر الشعب معدنه الأصيل؟
يقولون إن الشعب المصرى نَفَسه قصير، وإنه اعتاد على الانتفاض، ثم العودة مرة أخرى إلى النوم العميق.. فعل هذا فى ثورة ٢٥ يناير، وفعله أيضاً فى ثورة ٣٠ يونيو.. والحقيقة أننا نمارس طوال الوقت الغش والخداع فى حق أنفسنا.. نحاول أن نبرر تخاذلنا وتواكلنا وتخلفنا لأنفسنا ولغيرنا بأن ظروفنا قاسية، وأن أحوالنا صعبة، وأن التركة التى ورثناها خربة.. لكن من الواضح أننا كشعب ليس لدينا الشجاعة الكافية للمواجهة والتصحيح.. ولماذا نصحح ونحن نعتقد -حقيقةً أو وهماً- أننا أفضل الشعوب، وأننا الذين علمنا العالم، وأننا من أذكى شعوب الدنيا، وأننا أصحاب حضارة سبعة آلاف عام؟
لا بد أن نقف وأن ننظر إلى أنفسنا وأين نحن من شعوب العالم، على الأقل من أجل الأجيال المقبلة؟ لقد كانت هناك شعوب تقف خلفنا، فأصبحنا الآن نلهث خلفها، وغير قادرين على اللحاق بها.. لقد أخذت هذه الشعوب بأسباب النهضة والتقدم، وكانت لديها الهمة والعزم والمثابرة والإصرار، فتحقق لها ما أرادت.. أما عندنا فالهمة نائمة، والعزم غائب، والمثابرة فى إجازة، والإصرار فى غيبوبة، والحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه.. لذا، ليس عجيباً أن يكون التعليم «زفتاً»، والصحة «قطراناً»، والزراعة «هباباً»، والصناعة «خراباً».. وليس عجيباً أيضاً أن ترى الفساد -بكل أشكاله وألوانه- يضرب أطنابه فى معظم أجهزة الدولة، والبيروقراطية العتيدة تقف سداً منيعاً أمام أى تقدم، والعامل المصرى فى أمس الحاجة إلى إعادة تشكيل وصياغة من جديد.. لا أحد يتقن عمله، ولا أحد يؤدى واجبه بأمانة، أو نصف أمانة، أو حتى ربع أمانة.. المهنية أو الحرفية تكاد تكون غير موجودة.. انظر إلى المبانى، ونشع الصرف الصحى على جدرانها.. انظر إلى تلال القمامة فى الشوارع وعلى النواصى.. انظر إلى مياه النيل والتلوث البشع الذى أصابه.. انظر إلى حوادث الطرق والنزيف البشرى يطل علينا بوجهه المأساوى كل يوم.. انظر إلى انتهاكات القانون فى كل مناحى حياتنا.. انظر إلى هذا الانفلات الذى تخطى كل الحدود والأعراف والتقاليد على المستوى المجتمعى العام..
لكن الذى ينظر إلى المؤسسة العسكرية المصرية يجد عجباً.. ويتساءل لماذا هى على هذا النحو المتقدم والراقى، وهى نبت مصرى وجزء لا يتجزأ من شعب مصر، بينما تبدو المؤسسات الأخرى على هذا النحو المتخلف والمتردى؟ لن أتحدث عن الدور الذى تقوم به المؤسسة العسكرية فى مواجهة الإرهاب، لكن دعنا نقارن -على سبيل المثال- بين شبكة الطرق التى تنشئها شركات خاصة أو عامة، وتلك التى تنشئها هذه المؤسسة.. سوف تجد فارقاً بين الثرى والثريا.
يا سادة.. هل من الممكن أن تتحول هذه المؤسسات إلى شبه مؤسسات عسكرية، حيث الجد، والانضباط، والدقة، والصرامة، والروح القتالية؟
أقول: نعم ممكن.. إذا توافرت القدوة والنموذج العملى، ثقافةً وأخلاقاً وسلوكاً.
* نقلاً عن "الوطن"