.
.
.
.

كيف رسم ٤٠ ألف شخص في دبلن مستقبل العالم

محمد فهد الحارثي

نشر في: آخر تحديث:

ربما يظل واحداً من المؤتمرات القليلة التي يجتمع فيها هذا العدد من الناس في مكان واحد ولهدف واحد وهو المستقبل. الاسبوع الماضي اجتمع اكثر من اربعين الف شخص في العاصمة الايرلندية دبلن في مؤتمر الويب سميت (قمة الانترنت).

يناقشون مستقبل الصناعة والمتغيرات والفرص. وتفتح المجال ايضا لآلاف الاشخاص ايضا لطرح مشاريعهم الستارت اب (المشاريع المبتدئة) والتي تستقطب مستثمرين أو شركاء.

ثلاثة أيام للمؤتمر جعلت من مدينة دبلن خلية نحل، هذه المدينة التي استطاعت ان تقدم نفسها كمدينة للتكنولوجيا والبرمجة واستقطبت كبريات شركات العالم مثل جوجل وفيسبوك وغيرهما.

المؤتمر كان يتوزع على قاعات مختلفة. مثل التسويق والاجتماع والرياضة والموسيقى والبرمجة والمحتوى وغيرها من القاعات المختلفة, وكان متاح لكل شخص مشارك في المؤتمر أن يحضر في القاعة التي تناسب اهتماماته.

الانطباع الأول الذي تخرج منه في هذا المؤتمر هي السرعة التي يتقدم فيها العالم. فالانترنت غيَر وجه العالم للأبد ولكنهم لم يتوقفوا عند هذه النقطة, الافكار تصب في كيفية توظيف التقنيات في سبيل سعادة الانسان. تختلف الاساليب ولكن الهدف ثابت فالكل يتنافس كيف نجعل حياة الانسان أسهل ونجعل من هذه التقنية وسيلة لسعادته.

المؤتمر يساعد المهتمين بمجال الاعلام والمحتوى في معرفة توجهات الصناعة للمرحلة المقبلة. ومن الواضح ان فيسبوك استطاع أن يبرز بشكل قوي وبتوقعات عالية فالاستراتيجية التي قام عليها من خلال استحواذه على أهم الشركات جعلته في موقع قيادي بين المنافسين.

فهو استحوذ على البرنامج الشهير «واتسب» وكذلك انستجرام. وهذه شركات قوية وبالتالي ضخمت من القوة الرأسمالية لها وايضا فتحت لها مجالا في فرص التكامل بين هذه البرامج.

التوجه العالمي للفيديو وهذا يعني أن على شركات المحتوى أن تستثمر أكثر في صناعات الملتيميديا, وبالذات في مجال الفيديو فالجمهور يتوجه للمحتوى المصاحب للفيديو وكذلك المعلنون الذين هم يتبعون الجمهور يضعون استثماراتهم في هذا المجال.

التلفزيون يواجه تحديات قوية في المرحلة المقبلة لأن اليوتيوب تدريجيا بدأ يلعب دور التلفزيون, وهذا يعني أن حصة من ميزانيات المعلنين سوف تتوجه الى اليوتيوب. والآن هو زمن OTT وهو عبارة عن الصندوق الذي ينقل البث من خلال الانترنت دون المرور على مزود الخدمة. وهذا سوف يغيَر من طبيعة صناعة التلفزيون والعلاقة مع المشاهدين.

وهذا يقودنا للحديث عن جوجل الذي يمتلك يوتيوب, والتي وجهت دعوة خاصة لمجموعة من المشاركين في المؤتمر لزيارة مكاتبها في دبلن. وهي ثاني اكبر مكاتب لها في العالم بعد الولايات المتحدة, وتحتضن اكثر من ستة آلاف موظف.

وتحافظ جوجل على بيئة عمل مختلفة فالمكاتب التي زرناها تميل الى مركز ترفيهي اكثر من كونه مكتبا فهناك مسابح وأندية رياضية وصالات ألعاب ترفيهية وأماكن مخصصة للنوم والاستراحة. ولهذا لم يكن غريبا أن تكون جوجل هي الأكثر ابداعا في مجال الافكار الجديدة.

كثيرة هي الشركات التي طرحت مشاريعها في المؤتمر. فبرنامج مثل «واتباد» يعطي فرصة لمن يرغبوا ان يجربوا حظهم في الرواية وان يكتبوا قصصهم على هذا البرنامج مجزأة على فصول.

بحيث يستطيع أن يتعرف على ردود فعل الناس من الفصل الأول وبالتالي ربما يساعده في الفصول المقبلة. وكانت تجربة الشابة الامريكية أنا تود التي استخدمت هذا البرنامج في كتابة روايتها (افتر) لتصبح الرواية الأكثر مبيعا حسب النيويورك تايمز.

جريدة الواشنطن بوست قدمت تجربة مثيرة في الانتقال من الاعلام التقليدي الى الجديد. وشرح ستيف هيلز رئيس المجموعة خارطة طريق لعملية التحويل, وكيف غيَرت مفهوم العمل في فريق الصحيفة لتصبح الصحيفة الأكثر ابداعا في شركات الاعلام في ٢٠١٥, وتحقق اكبر زيادة في عدد الزائرين لمواقعها على مستوى جميع الصحف في الولايات المتحدة.

القاسم المشترك في اهتمام المشاركين في المؤتمر هو الموبايل (الهواتف الذكية). النصيحة الذهبية في هذا المؤتمر استثمر في الموبايل, فلقد اصبح الآن هو الأكثر استخداما على مستوى جميع الوسائط. والأهم هو تكييف البرامج في تصاميمها واستخداماتها لتتناسب مع اجهزة الموبايل.

من الاشياء الجميلة في استخدامات وسائل التواصل الاجتماعي في المؤتمر نفسه, أن المنظمين وضعوا هاشتاقا خاصا للمؤتمر, والكل يشارك فيه ويتم تبادل الافكار واللقاءات.

فتجد شخصا يطلب اذا كان احد لديه شاحن للهاتف ويحدد مكانه في قاعة المؤتمر, وآخر يذهب لشرب القهوة في إحدى القاعات ويطلب من أي شخص مشارك ولديه وقت أن يشاركه جلسته. استطاعت التقنية أن تصنع من عشرات الالوف المجتمعين في هذا المكان أسرة واحدة.

حجم الفرص والمشاريع في مجال الانترنت مأهولة وكان منظر الشباب وهم يسوقون افكارهم ينبيء بأن العالم اختار طريق العلم والتطوير وفتح الفرص وبناء المستقبل.

والمؤسف أن الأقل مشاركة كان من الدول العربية. مقارنة محزنة, أربعون ألفاً يجتمعون للاستفادة من بعضهم وتطوير مجتمعاتهم, والوف يموتون بالأحزمة الناسفة والحروب الطائفية والفكر المتعفن. هل كنا بحاجة لمؤتمر دبلن لندرك مرارة هذا الواقع.

* نقلا عن "البيان"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.