الخيار الوحيد.. دحر الإرهاب
هل يعلن العالم عجزه عن التصدّي لظاهرة الارهاب؟ سؤال مشروع يلحّ وسط الغضب والاستنكار العالميين للهجمات التي نفذها تنظيم «داعش» في باريس. وقبل ذلك احتمال أن يكون فرعه «ولاية سيناء» وراء تفجير الطائرة الروسية. كانت هناك صدمة أوائل هذه السنة بعد الاعتداء على مجلة «شارلي إيبدو»، وصدمة أخرى في ذبح أكثر من عشرين شخصاً من الأقباط المصريين في ليبيا، وصدمتان أخريان في اعتداءين استهدفا السياح في تونس، وصدمة أيضاً في الكويت، فضلاً عن صدمات عدّة في السعودية، وأخيراً صدمة مزدوجة لتفجيرين في ضاحية بيروت. في الوقت نفسه، هناك «حرب على الإرهاب» بدأت قبل عام ونصف العام ولم تتوصّل بعد إلى إحداث أي تغيير مهم في خريطة السيطرة والانتشار التي حققها «داعش» منذ اجتياحه الموصل، وتمدده شرقاً في العراق وغرباً في سوريا، كما لم تستطع اضعافه وحصر خطره للحؤول دون ظهوره خارج هذين البلدين.
المؤسف أن منطق الاستفادة من «داعش» أحرز غلبةً على ضرورة القضاء عليه، وقد انطبق ذلك على الدول المنخرطة في محاربته بمقدار ما كان ملازماً لأنظمة أو دول كان لها دور في تغذية الوحش «الداعشي». ورغم أن فرنسا لا تنفرد بأن هناك مئات من مواطنيها التحقوا بالتنظيم الإرهابي، إلا أنها وتونس شكّلتا الحلقتين الخارجيتين الضعيفتين اللتين استطاع اختراق نظاميهما الأمنيين. لذلك دفعت هجمات باريس مساء الجمعة الماضي كل العواصم، وبالأخص الأوروبية، إلى مراجعة خططها وتدابيرها، منطلقةً من تقديرات استخبارية تعتقد بوجود «داعشيين» ربما يكونون كامنين في خلايا نائمة. لم يعد ممكناً استبعاد التهديد مئة في المئة، وفي مقابل الكابوس الأخطر المتمثّل بحصول أي اعتداء رغم كل الاحتياطات هناك التحدّي الأكبر باستباق أي خطر واجهاضه من دون الاضطرار لتغيير نمط الحياة، ذاك أن زيادة الحواجز والقيود وتقليص الحريات تشعر «داعش» بأنه حقق «انتصاراً».
لحظة شاعت أنباء الهجمات توالى الرؤساء والزعماء على التنديد بها وإبداء استعداد دولهم للانضمام الى «أي جهود لتعزيز الأمن ومحاربة الإرهاب». قالوا جميعاً إنهم «متضامنون ومتّحدون مع الشعب الفرنسي». شدد الزعماء الغربيون على أن «الارهاب لن يهزم الديمقراطية على الإطلاق»، فيما قال الرئيس الأميركي إن ما حصل «هجوم على الإنسانية والقيم الشاملة التي نتقاسمها». وكانت رئيسة الأرجنتين الأكثر وضوحاً في دعوتها إلى «معالجة قضية الإرهاب على نطاق عالمي بمنظور جديد وأوسع نطاقاً، إذ لم نعد قادرين على الشعور بالأمان في أي مكان»... لكن هذه المعالجة «على نطاق عالمي» هي تحديداً ما أخفق العالم في التوافق عليها، وفي إظهار إرادة سياسية لتصد مجدٍ وفاعل لجماعات لا هدف لها غير القتل ولا شيء غير القتل.
كما في كل مرة، بعد أي هجمات ارهابية، يكثر الحديث عن «التنسيق» بين الحكومات، ويتجدّد السؤال لماذا يبقى هذا التنسيق مفتَقَداً، أم أنه مجرد شماعة يُعلّق عليها التقصير الأمني، خصوصاً أن الخطوات الأولى من التحقيق أظهرت أن أحد القتلة معروف ومشتبه به وله ملف أمني حافل، لكنه طليق. وحدها الولايات المتحدة ظلّت مقتنعة بطريقتها في محاربة «داعش»، وتدافع عنها باعتبارها الوحيدة الممكنة في ظل الصراعات الطائفية الدائرة. ولأن نتائجها الفعلية كانت طرد أو دفع مزيد من الناس إلى الهرب من مدنهم وبلداتهم ومنازلهم، فقد ترسّخ في الأذهان أن ما يجري ليس حرباً على الإرهابيين بل مجرد إدارة للتعايش بينهم وبين محاربيهم.
كانت هجمات باريس حصلت عشية اللقاء الدولي في فيينا، كما لو أنها مبرمجة للضغط على محادثات «الحل السياسي» في سوريا. ازداد الانطباع بأن «داعش» ليس وحده المستفيد من إراقة الدم في عاصمة أوروبية، لأن رئيس النظام السوري انتهز الفرصة غداة المقتلة ليقول إن «السياسات الخاطئة» التي انتهجتها الدول الغربية ولا سيما فرنسا «هي التي ساهمت في تمدّد الإرهاب». أما القتلة الذين هاجموا مسرح «باتاكلان» فخاطبوا رهائنهم مشيرين إلى ما يحصل في سوريا والعراق لتبرير جريمتهم. والمفارقة أن محادثات فيينا وجدت نفسها منزلقة إلى مفاضلة سقيمة بين «داعش» والنظام، متجاهلةً أسباب الصراع في سوريا. ولا يغيّر شيئاً أن يشير جون كيري إلى «تناغمٍ بين الأسد وداعش»، وأن يعارضه سيرجي لافروف في ذلك، بل إن هذا التعارض يؤكد في حد ذاته أن محاربة «داعش» ليست في صدد أن تصبح جدّية، خصوصاً إذا اقترنت بالحفاظ على النظام ورئيسه.
نقلاً عن "الاتحاد"