.
.
.
.

الانتحاري والسؤال «الصعب»!

داود الشريان

نشر في: آخر تحديث:

المشهد الأول: شاب في مقتبل العمر يفخخ سيارة نقل بيضاء. يسأله آخر لا يظهر في الصورة: «أبو عبدالله رغم أنكم علمتم بسقوط الجمس الأحمر والجمس الأبيض، فما هو حالكم؟»، يرد أبو عبدالله: «الحمدلله سقطتا، لكن إن شاء الله هذه في الطريق، إلى معاقل الصليبيين، وسنجعلها حمامات دم».

المشهد الثاني: الشاب الصغير أبو عبدالله جالس أمام عدسة التصوير، ويسأله أحدهم: «يقال أن في استهدافكم الصليبيين والتفجير في بلاد الحرمين، مفاسد كثيرة على المسلمين وعلى أهل الدعوة وطلبة العلم، فما هو ردك؟»، فيجيب الشاب ضاحكاً: «ما فهمت السؤال، أعد السؤال». ويكرر عليه الجالس خلف العدسة السؤال مرات وبصيغ مختلفة، محاولاً تبسيط السؤال «الصعب»، لكنه في كل مرة يضحك، ويضحك الجالسون حوله. تكشف ملامح وجهه عدم إدراكه أهداف العملية الانتحارية التي هو بصدد تنفيذها.

المشهد الثالث: يحاول السائل تبسيط اللغة، ويطرح على الشاب الساذج سؤالاً آخر: «صِف لنا مشاعرك وأنت تتوجه لدكّ حصون الصليبيين؟»، فيرد الشاب أبو عبدالله: «سؤالك خطأ»، فيعيد عليه رئيس المجموعة السؤال بصيغة أخرى، فيرد عليه الشاب الانتحاري: «لا تضع السؤال بلغة عربية، اسألني بطريقة عامية».

تنتهي المشاهد الثلاثة من دون قدرة الشاب على الإجابة. لكن هذا لم يمنعه من قيادة سيارة مفخخة، لتفجير مبنى الأمن العام في مدينة الرياض.

المشهد الرابع: تُقدَّم وجبة العشاء الدسمة، ويجلس الشباب حول الطعام، كأنهم في حفلة عرس. وقبل انطلاق السيارة يضع الانتحاري على عينيه ورقة كتب عليها «ح و ر 72» في إشارة إلى الحور العين الـ72 اللواتي سيستقبلنه في الجنة بعد قليل. يُظلِم المشهد. تنفجر السيارة قرب مبنى الأمن العام، وتقتل طفلة وخمسة من رجال الأمن.

هذه مشاهد من الفيلم الوثائقي «كيف واجهت السعودية القاعدة» الذي عرضته قناة «العربية» الأسبوع الماضي. مَنْ يشاهد الفيلم يُصب بالذهول. شاب في مقتبل العمر، وغير قادر على صوغ عبارة لتبرير العملية التي سيموت في سبيلها، وعلى رغم ذلك يذهب إلى الموت انتحاراً مزهواً وسعيداً، وقبل ذلك يأكل، ويتبادل النكات مع الصبية الذين معه، ويتحدث عن قضايا تافهة، ويطالب بتصويره وهو يقود السيارة، على نحو يثير الشفقة عليه. ما هو هذا الفكر الذي يحرّك هؤلاء الشباب بهذه الطريقة التي تتجاوز عالم اللامعقول في عبثيتها؟

الأكيد أن الدين لا يدفع الإنسان إلى الموت بهذه الطريقة المتوحشة. لهذا، علينا أن نتوقف عن الزّج بالدين بصفته محرّضاً على الانتحار. لا بد من أن نصل إلى الوسائل الحقيقية التي تجعل شاباً يقدّم نفسه للموت على هذا النحو المخيف، ومن دون درس أساليب تجنيد هذا الشاب ورفاقه، لن نستطيع مقاومة تجنيد شبابنا، وانخراطهم بحفلات الموت المروّعة.

* نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.