ما بعد المجتمع
فى صيف عام 2015، فاجأت وكالة «ناسا» العالم باكتشاف «الأرض الثانية».. ودارت مطابع العالم عبْر آلاف الصحف.. تتحدّث عن «الأرض - 2» التى تبعد ما يعادل المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية مليار مرة فقط.
ومع الاكتشاف الجديد تجدّدت الأحلام حول وجود مياهٍ وحياةٍ فى الكوكب الشقيق.. وتحدث البعض عن ضرورة إرسال رسالة بكل لغات العالم.. حتى يعلم الذين هناك أنّنا هُنا.
(1)
ما أعنيه فى هذا المقال ليس هذه الأرض التى طالما مثّلت حلماً كبيراً للعلماء والأدباء.. منذ الحديث عن «الحضارة المريخية» على كوكب المريخ.. إلى اكتشاف التوأم الكونى الجديد. وإنّما أعنى «الأرض الافتراضية».. أو «الأرض الموازية».. أعنى «كوكب الإنترنت» الذى بات عالماً موازياً للعالم الحقيقى.
(2)
أصبح العالم بكامله -إلا قليلاً- أسير شبكة المعلومات الدولية طوال الساعة.. ولم تعد الأجهزة الحديثة هى وحدها المتصلة بالإنترنت.. بل أصبحت شرايين الإنسان متصلة بكابلات الإنترنت.. وعلى امتداد الحياة.
دخل العالم فى حقبة أُسمّيها «ما بعد المجتمع».. ذلك أن الإطار المعتاد لدائرة الأسرة والصداقة والزمالة.. ومفهوم «الشلّة» قد تكسّر على شاشات الأجهزة.. باتت «الشلة» التى طالما درسها علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسى.. تلتقى على «فيس بوك» أو «واتس آب».. وباتت العائلة تلتقى هى الأخرى فى «الحياة اللاسلكية» دون أن تلتقى بالقدر الكافى فى «الحياة الحقيقية».
وانتشرت عشرات الصور الساخرة.. لأفراد الأسرة المجتمعين فى بهو المنزل «أجساداً»، لا «أرواحاً».. حيث يجلس كل فرد من العائلة إلى هاتفه المحمول يتابع العالم الافتراضى الواسع.. تاركاً العالم الحقيقى المباشر.. المتمثل فى عائلته.
لقد أدت شبكة الإنترنت إلى تقليص «الحوار المباشر» بين الأفراد.. وبعد عصر الهاتف.. جاء زمن «واتس آب».. حيث أصبح ملايين الأشخاص يديرون حياتهم عبر الكتابة الصمّاء دون أن يتبادلوا الحديث الكافى.. ولم تشفع خدمة تسجيل الرسائل عبْر «واتس آب» فى «عودة الكلام» إلى الإنسان.
(3)
لقد انتقل «الاقتصاد الدولى» هو الآخر من «الاقتصاد العينى» إلى «الاقتصاد الافتراضى».. وأصبحت شركات الإنترنت من «جوجل» إلى «فيس بوك».. وما بينهما تربح مليارات الدولارات.. كلها دون اقتصاد حقيقى على أرض الواقع.. بل كلها أموال حقيقية نتيجة اقتصاد غير حقيقى!
لا أقول كما كان «السان سيمونيون» يقولون من قبل إن الاقتصاد الحقيقى الوحيد الذى يُحقق إضافة كاملة.. من العدم إلى الحياة.. هو الاقتصاد الزراعى. وإنما أرى مثل كل المدارس الاقتصادية الحديثة أن الصناعة والخدمات هى اقتصاد حقيقى وأساس فى الحضارة الإنسانية. ولكنّ تمادى الاقتصاد الافتراضى.. ووصول أرباحه إلى مستويات قياسية إذا ما قورنت بالصناعة أو الزراعة هو أمر يدعو إلى القلق على مستقبل العالم الحقيقى إذا ما انهار العالم الافتراضى ذات يوم.
(4)
لقد أصبحت السياسة بدورها هى الأخرى.. افتراضية، يُدار معظمها على المواقع والصفحات والحسابات الإلكترونية.. وأصبحت الكتائب الإلكترونية تدير التوجّهات الرئيسية للرأى العام فى عشرات الدول.
أصبحت الساحة الافتراضية ميداناً كبيراً للحرب والقتال.. وأصبح بالإمكان إلحاق الهزيمة بالخصم عبر «فيس بوك» و«تويتر»!
بعض الدول لم تعد تحتاج إلى سلاح دمار شامل حقيقى.. فى ظل سلاح الدمار الشامل الافتراضى!
(5)
لقد قرأتُ تصريحات وزيرة العدل الإسرائيلية مؤخراً عن أن الحرب فى عالم الإنترنت هى حرب حقيقية لها قواعد تختلف عن قواعد الحرب السابقة.. ثم قالت فى فخر: إن إسرائيل قوة عظمى على الإنترنت.
(6)
هنا التحدّى الذى يواجه «الجمهورية الثالثة» فى بلادنا.. حيث أصبح المشروع الحضارى المصرى مضطراً إلى أنْ يخوضَ السّباق الافتراضى بالتوازى مع السّباق الحقيقى.
ومن المؤسف أن يكون نصيب مصر من «الأرض الثانية».. حفنة من الدردشات الفارغة والإفيهات المكررة.. والآراء الرديئة.. أو أن يكون نصيبها إرباك الحياة الاجتماعية وهزّ التماسك العائلى.
من الضرورى.. أن نخوض المعركة بما يليق، وبما هو واجب.. أن تتحول مصر إلى قوة عظمى فى العالم الافتراضى.. من أجل حماية العالم الحقيقى.. العلِم هو الحل.
* نقلاً عن "الوطن"