.
.
.
.

العلاقات بين الدول العربية والدول الإسلامية

مصطفى الفقي

نشر في: آخر تحديث:

ليس كل المسلمين عرباً وليس كل العرب مسلمين، تلك حقيقة معروفة تشبه المقولة العلمية في علم الكيمياء ليست كل الفلزات معادن، وليست كل المعادن فلزات! وأريد أن أقول من ذلك إن العلاقة بين العروبة والإسلام قد انعكست على الجغرافيا السياسية للعالمين العربي والإسلامي، لذلك فإننا نتطرق إلى موضوع له أهميته وله حساسيته أيضاً ونعني به العوامل التي تحكم العلاقة بين الدول العربية الخالصة والدول الإسلامية غير العربية وفي مقدمها تلك التي تمثل التخوم المباشرة لمنطقة الشرق الأوسط والتي يقع أهمها في غرب آسيا، ولقد لاحظنا من خلال المشاكل والأزمات أن الموقف لا يبدو متسقاً في كل الظروف ولو ميزنا ثلاث دول إسلامية قريبة ونعني بها إيران وباكستان وتركيا فإننا نبحث في طبيعة العلاقة مع الدول العربية ونرصد المظاهر التالية:

أولاً: تمثل العلاقات بين الفرس والعرب نموذجاً تاريخياً في الصراع بين قوميتين تحت مظلة دين واحد، فإيران ترى أنها وريثة حضارة قديمة وأن قبول الفرس للإسلام لا يعني أبداً سيادة الجنس العربي على غيره خصوصاً أن الإسلام يسوي بين أتباعه بغض النظر عن أعراقهم وألوانهم ومعتقداتهم السابقة فلا فضل لـ «حر قرشي» على «عبد حبشي» إلا بالتقوى، وقد ساوى الإسلام بين العرب والعجم بينما كان ازدهار الدولة العباسية تأكيداً لتفوق عناصر غير عربية وتأسيس دورها في دولة الخلافة الإسلامية، ولقد تولدت الحساسيات منذ فترات ازدهار الحكم العباسي والتداخل بين العرب والعجم في إطار الحضارة الإسلامية، ومع انتشار التشيع بعد ذلك بقرون عدة في بلاد فارس والمواجهة بين الدولة الصفوية الشيعية والدولة العثمانية السنّية والتي كانت بمثابة بداية لمناخ من التوتر انعكس بالضرورة على العلاقات العربية - الفارسية، ولقد شهدت تلك العلاقة تطورات تاريخية تأرجحت بين الصعود والهبوط ولكنها أخذت مساراً جديداً منذ قيام الثورة الإسلامية في ايران في شباط (فبراير) 1979 حيث سعى حكم الملالي إلى نشر أفكار الثورة ومظاهر التشيع في الدول العربية المختلفة وتصاعدت حدة الصراع نتيجة الأطماع الفارسية في الأرض العربية بدءاً من احتلال إيران لثلاث جزر إماراتية مروراً بوقوفها وراء الاضطرابات في البحرين وصولاً إلى محاولات التحريض في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، فضلاً عن استخدامها «حزب الله» في لبنان لتعطيل مسيرة الدولة وفرض سيطرته كظهير لـ «سورية الأسد» باعتباره حليفاً استراتيجياً للنظام الإيراني إلى أن وصلت نيران المواجهة إلى اليمن حيث تحرك الحوثيون في حركة تمرد واسعة أدت إلى مواجهة عسكرية مع تحالف عربي إسلامي تقوده السعودية، لذلك فإن الجوار الإسلامي - الإسلامي لا يعني بالضرورة علاقات طيبة ولا حسن جوار دائماً لأن الصراعات القومية هي الفيصل في ذلك وليست الديانة المشتركة.

ثانياً: تميزت العلاقات بين دولتين إسلاميتين كبيرتين إحداهما عربية وهي السعودية والثانية غير عربية وهي جمهورية باكستان بأنها علاقة طويلة المدى تقوم على المصالح المشتركة وتعطي دوراً لباكستان في دعم القوات المسلحة السعودية كما تتيح للدولة السعودية دعم الاقتصاد الباكستاني عند اللزوم، ولقد مرت هذه العلاقة مؤخراً باختبار مباشر عندما قررت الرياض مواجهة الاضطرابات على حدودها الجنوبية بعمل عسكري شامل ودعت حلفاءها في المنطقة من دول عربية وإسلامية للوقوف معها ولكنها فوجئت بالبرلمان الباكستاني يتحفظ على قرار المشاركة العسكرية الكاملة ويكتفي بتقديم الخبرة مع تحديد أطر التعاون العسكري بين الدولتين بينما وقفت كل دول الخليج ومعها مصر - إلى حد معين - من أجل إيقاف المد الحوثي، فالعلاقات العربية الإسلامية هي علاقات محكومة بالدوافع القومية والمصالح الوطنية وليست بالضرورة مرتكزة على العوامل الدينية.

ثالثاً: عاش الأتراك قروناً وهم يهيمنون على المنطقة ويدفعون بها نحو التخلف وينشرون عصور الظلام العثماني في أرجائها ويكرسون الفرقة بين شعوبها، ولقد عاش الأتراك بعد سقوط الخلافة الإسلامية على الإرث التاريخي الذي آل إليهم من حكمهم في المنطقة العربية ومنطقة البلقان وغيرهما من مواقع السيطرة العثمانية، وقد ارتبطت تركيا الحديثة بالغرب وأصبحت عضواً في الحلف الأطلسي وتطلعت بشدة للدخول إلى الاتحاد الأوروبي ثم حققت نجاحات ملحوظة على الصعيد الاقتصادي وتفتحت شهيتها لاستعادة جزء من نفوذها العثماني خصوصاً في المنطقة العربية، وبدأت في العقود الأخيرة تريد أن تكون في مقدم دول الشرق الأوسط حتى تكون لديها أوراق اعتماد تتقدم بها إلى الاتحاد الأوروبي رغم أن تركيا ما زالت حتى الآن تفضل أن تكون في مؤخر هذا الاتحاد بدلاً من أن تكون في مقدم الدول الشرق أوسطية، فالشرق الأوسط بالنسبة اليها هو مجال حيوي ومصدر نفوذ يتيح لها أن تتصدر المنطقة ولا مانع من أن تكون لديها علاقات استراتيجية مع إسرائيل كما هو الأمر منذ قيام الدولة العبرية، ولقد راهن الأتراك بزعامة رجب طيب أردوغان في السنوات الأخيرة على جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وإمكانية التحرك بهم كوسيلة لاستعادة السيطرة على دول المنطقة تحت رايات الخلافة الإسلامية واستخدام شعارات دينية رغم اصطدام ذلك مع فكر أتاتورك وعقيدة الجيش التركي حارس مبادئ الدولة التركية الحديثة، وعندما وصل «الإخوان المسلمون» إلى الحكم في مصر توطدت العلاقات بين حزبي مرسي وأردوغان إلى أن أطاحت الإرادة الشعبية المصرية بحكم «الإخوان» بعد سنة واحدة من وصولهم إلى السلطة في تموز (يوليو) 2013 وبعد ذلك ظهرت حالة من الفتور بل النفور في العلاقات بين أنقرة والقاهرة رغم التعاون الاقتصادي النشط بين الدولتين، وما زالت الحرب الإعلامية والشعارات الإعلانية تنخر كالسوس في جسد الجسور التاريخية بين البلدين.

رابعاً: لا يمكن الحديث عن العلاقات العربية الإسلامية من دون أن يكون لإسرائيل دور في معايير دراسة تلك العلاقة، فإسرائيل تراقب كل ما يجري عن كثب وتشعر بالارتياح لأنها تحصد من دون جهد نتيجة خطايا غيرها، فالجيش العراقي خرج من ساحة التوازن الاستراتيجي منذ عام 2003 عندما قام الحاكم الأميركي بريمر بحله، والجيش السوري جرى استهلاكه في معارك ضارية وحرب أهلية طاحنة في السنوات الخمس الأخيرة والجيش المصري تجري محاولة لشغله كل الوقت في سيناء مع مناطق أخرى مرشحة لكي تكون بؤراً للتوتر ونقاطاً للمواجهة، خصوصاً أن الوضع في ليبيا متفجر وينذر بأكبر الأخطار حيث تجتاح المنطقة العربية موجات عاتية من التنظيمات الإرهابية التي يتقدمها تنظيم «داعش»، وهنا نكتشف أن مفهوم العلاقات الدولية الذي يقوم على أساس ديني لا يصمد كثيراً وقد نجد أنفسنا أمام حصار دولي تشارك فيه الدول الإسلامية ضد بقية الدول العربية وأنظمتها بل ضد النظام العربي كله المتمثل في جامعة الدول العربية والهجوم المستمر عليها بينما لا تشارك منظمة التعاون الإسلامي أيضاً بما يجب أن تقوم به في هذه الظروف الصعبة.

خامساً: لقد تعرضت العلاقة بين الدول العربية عموماً والدول الإسلامية المجاورة خصوصاً جمهورية إيران الإسلامية لزلزال كبير بدأ منذ عام 1979 عندما وصل الملالي بزعامة الإمام الخميني إلى السلطة في طهران فتكرست الشخصية الدينية لنظام الحكم الإيراني وبدأت محاولات لنشر نفوذ طهران في المنطقة العربية كان أبرزها هو إنشاء «حزب الله» في لبنان كواجهة إيرانية متقدمة أمام الحدود الإسرائيلية بما أدى إلى تعزيز السياسة الإيرانية في المنطقة ودفعها إلى الصدام الدائم مع الدول العربية ذات السياسة المختلفة والرؤية المتباينة إلى أن جرت الإطاحة بصدام حسين ونظامه عام 2003 وأطل وجه بريمر الحاكم الأميركي في بغداد لتبدأ واشنطن في زرع الفتنة الكبرى بتكريس الانقسام داخل الشعب العراقي بين سنّة وشيعة بدعوى أن البريطانيين جاملوا السنّة عام 1920 وأن الأميركيين يعيدون موازين القوى إلى وضعها الصحيح في عام 2003، والواقع أن تداعيات ذلك كانت سيئة للغاية على العلاقات العربية - الإسلامية، فالعرب في معظمهم سنيّو المذهب بينما إيران تتبنى المذهب الشيعي لا على أساس ديني فقط ولكن في ظل أجندة سياسية بالدرجة الأولى، ولذلك فإنني أظن أن الخلاف المذهبي المصطنع داخل العالم الإسلامي بين أتباع المذهب الشيعي وأهل السنّة الذين يمثلون الغالبية الكاسحة من بين سكان دوله قد أضاف بعداً جديداً الى طبيعة العلاقة بين الدول العربية في مجملها والدول الإسلامية في معظمها، والغريب في الأمر أن المذهب الشيعي الذي انطلق من شمال أفريقيا يجد الآن دعائم وجوده في وسط وغرب آسيا ونحن نرى أن ذلك الاختلاف الذي يجري التركيز عليه وإبرازه يجب ألا يؤدي إلى خلاف يقسم العالم الإسلامي خصوصاً أن الشيعة والسنّة يدينون بدين واحد، ويعبدون رباً واحداً، كما أن كتابهم المقدس وهو القرآن الكريم واحد، فضلاً عن أن نبي الإسلام هو محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) كما أن قبلة المسلمين واحدة وأركان دينهم مشتركة، لذلك يبدو الصدام الشيعي - السني أمراً لا مبرر له ولا سند من الدين أو التاريخ خصوصاً أن الجوار الجغرافي والتلاحم السكاني يجعلان من استخدام تلك القضية أمراً لا جدوى منه.

إن الملاحظات السابقة تشير بوضوح إلى أن الخلافات بين الدول العربية والدول الإسلامية هي صناعة خارجية وتصدير أجنبي، إذ إن القوى الإسلامية يجب أن تكون قوة مضافة للعالم العربي وليست خصماً منه، لذلك ينبغي أن تسود لغة الحوار بين دول العالمين العربي والإسلامي من أجل علاقات أفضل في عالم يموج بالاضطرابات، وتحتدم فيه الصراعات، وتكاد تضيع فيه الحقائق!

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.