حكاية لنا من تونس

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

رأيت في تونس هذا الأسبوع، ما كنت قد رأيته في إيطاليا من عشرين سنة، ولكن بشكل مختلف.

فلقد كنت في الأكاديمية المصرية في العاصمة الإيطالية روما، وكانت الأشجار الضخمة تملأ حديقة الأكاديمية وتحيط بها، ومن بين أشجار الحديقة، كانت هناك شجرة مال فرع كبير منها حتى لامس الأرض، فسألت الدكتور مصطفى عبدالمعطى، مدير الأكاديمية وقتها، عما يمنعه من إزالة الفرع المائل، بدلاً من أن يظل شكله يشوه المنظر العام، أو يسقط فوق أي شخص يمر بالصدفة إلى جواره، وكانت نظرة الدكتور مصطفى لى، قبل أن يجيب، تقول بأنى يجب أولاً أن أدرك الفارق بين قيمة الشجرة في إيطاليا، وبين قيمتها في مصر، ثم أسأل عما أشاء!

وكان جوابه أنه لا يستطيع أن يزيل ورقة من الفرع المائل، إلا بإذن مكتوب من البلدية، وأنه حتى في حال الحصول على الإذن، فإن رجلاً يأتى من البلدية، ليرى بنفسه، ما إذا كانت حالة الفرع تستوجب إزالته، أم أنه يمكن الاكتفاء بتهذيبه، وأنه في حال اتخاذ قرار بالإزالة، فإن البلدية هي التي تنفذه، وفق ضوابط محددة، وبما تراه مناسباً، لا الأكاديمية، ولا مديرها، ولا أي مؤسسة أخرى بالطبع تكون عندها المشكلة نفسها!

يومها، أدركت أن احترام الشجرة عندهم ليس عبثاً، ولا هو بالقطع نوع من المنظرة، ولا هو مغازلة لأنصار البيئة، وإنما هو احترام للإنسان نفسه، واحترام لحقه في أن يعيش في بيئة تليق به كبنى آدم!

في تونس كانت القصة مختلفة بعض الشىء، لأن مؤسسة من مؤسسات الدولة حاولت إزالة فرع مائل من شجرة عمرها مائة عام، فسقطت الشجرة كلها، فقامت الدنيا ولاتزال قائمة!

وعندما تبين أن المؤسسة لم تحصل على تصريح من إدارة الغابات، كانت المخالفة مزدوجة، وتقرر توقيع غرامة عليها قيمتها ٥٠٠ دولار، ثم كان على المؤسسة أن تقدم اعتذاراً للإدارة، تقول فيه إنها أخطأت، وإنها لن تعود لمثل هذا التصرف مرة أخرى!

وكان أن دفعت المؤسسة قيمة الغرامة كاملة، ثم كان أن اعتذرت علناً، ثم كان ثالثاً أن تعهدت بتشجير مساحة كبيرة من الأرض، حددتها هي، وحددت طولها وعرضها!

قارئ مثل هذه القصة البسيطة سوف يكون عليه أن يعرف على الفور أن الذين أطلقوا على تونس أنها «تونس الخضراء» لم يفعلوا ذلك من فراغ، وأن الذين جاءوا من بعدهم أدركوا معنى أن تكون تونس خضراء، وأدركوا كذلك حصيلة مثل هذه الخضرة في حياة كل مواطن، وعائدها في صحته العامة، فحافظوا على ذلك كله، وحرصوا عليه!

احترام الإنسان عندنا يجب ألا يتجزأ، ولا يمكن أن نحرمه من حقه في أن يتنفس الأكسجين النقى، ثم الهواء الأنقى، ونتوقع أن يكون سليم العقل، فضلاً عن أن يكون سليم البدن.

ازرعوا في الناس أن احترام الشجرة من احترام الإنسان، وأن ذلك لا يجوز أن يكون محل فصال.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.