أوباما والاستقالة الطوعية من الزعامة

عبدالله خليفة الشايجي
عبدالله خليفة الشايجي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تشهد الآن منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط إرهاصات وتحديات هي الأخطر والأكثر تهديداً للأمن والاستقرار منذ عقود، ويتآكل أمامنا النظام العربي في مئوية «سايكس- بيكو» التي قسمت العرب إلى دول وكيانات متنافرة ومتصارعة، وها نحن نشهد نهاية تلك الحقبة، وربما تشكيل نظام إقليمي جديد شعاره التقسيم والتفتيت، بكيفية تطرح كثيراً من التساؤلات المثيرة للقلق، وتقدم قليلاً من الإجابات المطمئنة.

وفي هذا الوقت تتغير دينامكية التحالفات، وتتخلي أميركا طوعاً عن دور الزعامة. وتتراجع أيضاً أسعار النفط وتقترب الولايات المتحدة من أن تصبح هي نفسها المنتج الأول للنفط بفعل النفط الصخري، وتصدر العام الماضي أول شحنة نفط للخارج! ما يغير دينامكية العلاقة مع الحلفاء الخليجيين، دون أن يعني ذلك انسحاباً أميركياً بقدر ما يعنيه تراجع الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي في حسابات واشنطن الاستراتيجية لصالح منطقة النفوذ والسلطة والثروة الجديدة في شرق آسيا والصين، والانتقال التدريجي من منطقة الأطلسي بضفته الأوروبية إلى منطقة المحيط الهادئ مركز الثقل العالمي الجديد، وهذا تحول سياسي وتاريخي بالغ الأهمية منذ أن اكتشف كريستوفر كولومبس العالم الجديد وقامت الإمبراطوريات وانطلقت من سواحل الأطلسي قديماً وحديثاً. ويفضل الرئيس أوباما الاستدارة نحو آسيا Pivot to Asia وحتى إلى أميركا اللاتينية، لأنه لا يريد البقاء عالقاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث الحروب والصراعات الطائفية والعرقية مستمرة بكيفية لن تنجح أميركا في حلها مهما بذلت من جهود، بل إنها تستنزف أميركا مالياً وبشرياً ولا يكترث لها معظم الأميركيين!
ولذلك هناك اليوم تحول جيو- استراتيجي في عقلية صانع القرار في واشنطن المتمثل في توجه أوباما. وكنت قد كتبت مرات عديدة عن أوباما كآخر أباطرة الإمبراطورية الأميركية وكمحارب متردد مرجحاً ألا حروب في عهده.. وما يقوم به الآن، بل ما لا يقوم به يؤكد ما ذهبت إليه!

وكذلك نشهد اليوم تحولاً استراتيجياً وديناميكياً آخر غير مسبوق على المستوى الدولي، حيث يتجه النظام العالمي نفسه للتعددية القطبية بصعود الصين الأسطوري وعودة الدب الروسي للمقارعة والمنافسة. وهناك أيضاً تحول في دينامكية التحالفات على المستوى الإقليمي مع عودة إيران بعد «الاتفاق النووي» وتخفيض أهمية منطقة الخليج والشرق الأوسط ككل، وما يتبع ذلك لجهة أهمية ومكانة الحلفاء الخليجيين، الذين يشعرون بالقلق والتخلي الأميركي عنهم. والملفت هو سعي بعض ساسة الغرب، وخاصة الثنائي أوباما- كيري، مع روحاني وظريف، لتأهيل وتعويم طهران وغض النظر عن مشروعها التوسعي للهيمنة والتمدد بحجة أن إيران هي الترياق الذي سيساعد على مواجهة التطرف السني كـ«داعش» و«القاعدة»!

والتحديات التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي قي علاقتها غير المتوازنة مع الطرف الأميركي تذكر بنظرية «غلين سنايدر» عن «المعضلة الأمنية» والتحالف غير المتكافئ بين حليف قوي ومتفوق (أميركا) وحلفاء (بحاجة إلى دعم وطمأنة وحماية، كحال دول مجلس التعاون الخليجي)، فتتحول العلاقة إلى عقدة ومأزق أمني يتراوح بين المبالغة في التبعية دون استشارة، أو المبالغة في الهجران والصد! وهذا ما سنشرحه بتفاصيل أكثر في مقالة قادمة نتطرق فيها لتفصيل تداعيات وانعكاسات مبدأ أو عقيدة أوباما كما تابعناها خلال السنوات السبع الماضية، وكما أكدها هو في مقابلاته مع الصحفي جيف غولدبرغ في مجلة «ذي أتلانتك».

وفي هذا الوقت أيضاً ينجح الطرف العربي بقيادة خليجية، وبزعامة سعودية، في قيادة النظام العربي الذي يشهد اهتراءً وتآكلاً وتقسيماً وتفتيتاً وإنهاكاً للدولة المركزية العربية عقب موجات «الربيع العربي» على ما نرى الحال في سوريا واليمن وليبيا، وهو ما يقود للتصدي لمشروع إيران وحلفائها، وقد رأينا ذلك في الأسبوع الماضي من خلال محاصرة «حزب الله» في لبنان بإعلانه منظمة إرهابية خليجياً وعربياً. وفي كسر حصار تعز في الطريق إلى تحرير صنعاء. وفي أكبر مناورات في تاريخ العالمين العربي والإسلامي، «رعد الشمال» في حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية، ما يجعل إيران وحلفاءها في حالة صدمة وتراجع وفي وضع دفاعي. وهذا من شأنه أن يعطل ويبعثر مشروع إيران ويقود لتسرب الشك في قدرتها على الإمساك بزمام الأمور والسيطرة على العواصم العربية كما كانت تفاخر!

وفي هذه الأثناء يخرج علينا أوباما لتوضيح مبدئه أو عقيدته الأمنية في نهاية ولايته الثانية والأخيرة. وأخطر ما في اعترافات الرئيس الأميركي في سلسلة مقابلاته مع «ذي أتلانتك» التي نشرتها قبل أيام في عدد أبريل من المجلة، هو كشفه للعلن ما كنا نكتب عنه ونحذر منه منذ سنوات. بأن أميركا لا يمكنها حل مشاكل الشرق الأوسط، وأن ثمن التدخل في مشاكل المنطقة سيكون أكثر تكلفة عدم التدخل. وأن أوباما فخور لأنه لم ينفذ وعيده بتوجيه ضربات لنظام الأسد بعد تجاوزه الخطوط الحمراء باستخدام الكيماوي ضد شعبه في صيف عام 2013. وسنتطرق في المقالة القادمة لأبرز مفاهيم وأفكار مبدأ أوباما وبقية مظاهر الاستقالة الطوعية من الزعامة.

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط