قيادة الجماعة.. والميكيافيلية
كان من الممكن أن تستمر جماعة الإخوان فى نشاطها لأطول فترة ممكنة، لولا أنها نكبت فى السنوات الأخيرة (من بداية ٢٠٠٤ إلى نهاية ٢٠٠٩) بقيادة ساهمت بقدر كبير فى تفكيكها وضعفها وهشاشتها.. وبرغم الفرصة الكبيرة التى أتيحت لها عقب ثورة ٢٥ يناير فى إعادة ترتيب أوراقها ومراجعة أوضاعها ومعالجة أوجه الخلل فيها، إلا أنها -للأسف- تركت ذلك كله، على أمل السيطرة على مجلسى الشعب والشورى والسعى إلى قمة هرم السلطة، وهى غير مؤهلة لها على الإطلاق.. وما كان لها أن تنجح فى إدارة شئون مصر وهى على هذا الحال من التردى.. لذا، كان السقوط، على الأقل بالنسبة لى، متوقعاً.. أعود فأقول لست أقصد من وراء تناول شخصية الأستاذ مهدى عاكف، تشويه صورته، أو نعته بما ليس فيه، إنما القصد هو توثيق سيرة ومسار الرجل، خاصة أنه تولى قيادة الجماعة فى مرحلة حرجة من تاريخها وتاريخ مصر.. وأنا إذ أفعل ذلك، أحاول إفادة الباحثين والدارسين، وشباب اليوم والمستقبل، فضلاً عن أفراد جماعة الإخوان أنفسهم، بهذا التأريخ والتوثيق، فهناك دروس كثيرة وعظات وعبر لا تحصى، وما لم نتعلم منها، فلا فائدة منا ولا أمل فينا.. لقد كان من أهم معالم شخصية الرجل نزوعه إلى الهيمنة والسيطرة.. وقد رأيت عبر مواقف كثيرة وعلى مدى ست سنوات كاملة، ما أكد لى ذلك.. ولم تكن هذه السمة، نتيجة لقدرته على إقامة الحجة على المخالفين له، وإنما باتباع وسائل ميكيافيلية بحتة.. ونحن فى ذلك أمام حالات ثلاث؛ الأولى أن يكون غالبية أعضاء مكتب الإرشاد معه، والثانية أن يكون قسم منه معه والآخر ضده، والثالثة أن يكون غالبية أعضاء المكتب ضده.. الحالة الأولى: وهى عندما تكون غالبية أعضاء المكتب معه، نجدهم يسعون لنيل رضاه، والاستجابة لكل ما يراه، والتأمين على كل ما يقول.. وكان ذلك يمثل غاية مراده ومنتهى أمله.. ولأن الرجل إمكاناته الفكرية والعلمية والمعرفية محدودة، فقد مكَّنه موقع المرشدية كسلطة روحية وتاريخية لها أثرها على النفوس والقلوب على بلوغ ما يريد.. فيكفى أن يقال إن فضيلة المرشد صرح بكذا، أو من رأيه كذا وكذا -حتى وإن كان الرأى متواضعاً- فينال الثناء الحسن من الإخوان، فضلاً عن أنه يتوقف عنده أى نقاش أو رأى أو تحليل.. وقد وجد أصحاب النفوس الضعيفة فى ذلك منفذاً لإسكات معارضيهم وقمع أى صوت ينادى بغير ذلك.. إضافة إلى ذلك الفشل فى تقويم ما صدر من تصريحات أو آراء، فهذا وذاك يناقض الثقة ويقدح فى الالتزام بالواجب تجاه القيادة، بغض النظر عما إذا كانت هذه التصريحات مخالفة ومناقضة للمبادئ التى تعارف عليها الإخوان أم لا.. وهو ما كان يضع هؤلاء الإخوة فى حرج كبير.. وكأنما هو «المقدس» الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والعياذ بالله.. ولا شك أن هذه الثقافة كان لها أثرها السلبى على الجماعة وعلى الأفراد بصفة عامة.. فلا أحد يريد أن يتعرض للذم أو القدح أو يضع نفسه موضع اتهام أو هجوم.. ونتيجة لذلك، اختفى الصوت الحر الصادق، والرأى المخلص المتجرد، وبالتالى تراجع أداء الجماعة مع الأيام.. وبدأت تظهر قيم لم تكن موجودة بهذه الحدة من قبل، هذا فضلاً عما أصاب الكثيرين (من ذوى الضمائر الحية والقلوب النقية) من إحباط دفعهم إلى الابتعاد والركون، وبذلك حرمت الجماعة من أعز وأفضل أبنائها.. الحالة الثانية: وهى التى يكون فيها أعضاء المكتب منقسمين إزاء قضية ما؛ قسم مع وقسم ضد.. ساعتها، يستعين الرجل بالقسم الذى معه ضد القسم الآخر، ولا بأس من أن يقربه إليه ويحوطه بنظراته وابتساماته وكلماته، بل يعطيه الفرصة تلو الأخرى لكى يعبر عن وجهة نظره المؤيدة له.. ولا ينسى أن يسبغ عليه من استحسانه ورضاه بما يقول، وهو ما كان يثير الدهشة والذهول.. ولا يتورع الرجل عن الترتيب والتخطيط مع أفراد هذا القسم على ما يمكن أن يقال وما لا يقال.. ولا بأس من استمالة هذا البعض عن طريق دعوتهم إلى منزله أو مزرعته لتناول الغداء أو العشاء معه.. ومن أسف، أن نجد هذا البعض يتجاوبون مع الرجل بأسلوب يخلو من المروءة والشهامة، وبطريقة تثير فى النفس الكثير من التقزز والغثيان.. ولا أدرى كيف طاوعت نفوس هؤلاء أن يفقدوا كرامتهم وحريتهم وعزتهم.. لقد رأيتهم فى كثير من المواقف يلغون عقولهم ويهرفون بكلام لا يقره منطق أو عقل، ولا يستند إلى لائحة أو عرف أو تقليد، وهو ما كان يوجع قلبى آسفاً وحزناً على قيادة، ظن الكثيرون من أفراد الصف أنها القيادة الجديرة بالثقة، وأنها تصدر فى مواقفها عن قرارات مدروسة وإخلاص وصدق وتجرد(!!!) لقد كنت أرى كيف كانت السعادة والبسمة ترتسم على وجه المرشد وهو يرانى (فى المرات القليلة جداً) التى كنت فيها أشتبك فى جدل مع بعض أعضاء مكتب الإرشاد، وكان هذا يثير حيرتى فى البداية، لكنى بعد وقت قصير أدركت الحقيقة من خلال تأملى لطبيعة الرجل.. فى كثير من المرات كان الرجل يترك الجلسة ويمكث خارج مكتبه أو يغادر إلى البيت إذا حدث اشتباك وتعالت الأصوات بين الأعضاء.. وكنت أقول له: لمَ تفعل ذلك؟ فيقول: أنا أدعهم ليصلوا إلى حل(!) فأقول: ولنفترض جدلاً أنهم لم يصلوا إلى حل كما تقول، فما هو الوضع؟ فلا يجيب.. فأقول: يا أستاذ عاكف.. هذا هو دورك الذى يجب أن تقوم به، وهو أن تعمل على تقريب وجهات نظر الأعضاء وحل المشكلات التى تنشأ بينهم، وألا تنأى بنفسك عنهم.. ومن أسف، لا أجد إجابة أو تعقيباً.. لقد كانت هذه طريقته وأسلوبه.. فهو لم يبذل طيلة هذه السنوات جهداً فى حل خلاف بين أخوين، ولم يسع يوماً لكى يحتوى مشكلة.. فى أحد الأيام وقع خلاف شديد بين الدكتور محمود عزت والدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، وحدث بينهما سجال عنيف، فقلت لهما: تعالوا نذهب جميعاً إلى المرشد، فهو موجود بمكتبه.. وعندما جلسنا معه، قلت: أرجو أن تستمع لكل واحد منهما ثم بعد ذلك يكون لنا اقتراح للحل.. حكى كل واحد ما عنده، ولما لم أجد من المرشد إلا إظهار الامتعاض على وجهه، تدخلت باقتراح، لكنه لم يعجب أياً من الأخوين، فقام عبدالمنعم خارجاً من المكتب غاضباً وتبعه محمود.. فقلت للأستاذ عاكف: لا تدعمها يمضيان على هذا النحو، فما كان منه إلا أن قال: دعهما «يخبطوا» فى بعض(!!!) هكذا كان الأستاذ عاكف، ولنا أن نتخيل ما هو الحال الذى آل إليه مكتب الإرشاد، وما هى نوعية الأداء الذى كان يقوم به (وللحديث بقية إن شاء الله).
*نقلاً عن "الوطن" المصرية