.
.
.
.

رفاعى طه».. تساؤلات معلقة

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

بات مؤكداً مقتل «رفاعى طه» فى غارة أمريكية على الأراضى السورية، أسرته أقرت بذلك، الجماعة الإسلامية التى يعد أحد قادتها البارزين وأحد المتشددين العتاة بها نعته، رفاعى إرهابى عتيد، اتهم وحوكم وسجن فى قضية اغتيال الرئيس السادات، سنة 1981، وحدث أن فرَّ من السجن، ومن مصر إلى أفغانستان، حيث شارك فى الحرب الأمريكية على الاتحاد السوفيتى، التى جرت على أرض أفغانستان، وشارك بالتخطيط فى عدة محاولات لاغتيال الرئيس الأسبق حسنى مبارك، منها محاولة «سيدى برانى» والتى كادت أن تنجح، وكانت فى بدايات حكم مبارك، حيث كان وقتها رئيساً ناجحاً ومحبوباً من المصريين، ومنها محاولة أديس أبابا، وهى المحاولة التى ساهمت فى تدمير علاقات مصر بهذا البلد، وربما أفريقيا كلها، وحكم عليه بالإعدام، ودخل سوريا فى عام 2001، وسلمته إلى مصر، حيث وقف بضراوة ضد مبادرة وقف العنف، وعمل على إفشالها، وقيل إنه كان وراء عملية الأقصر، واعترض بشدة على مراجعات الجماعة الإسلامية، رغم أن هذه المراجعات أنقذته من حكم الإعدام.

كانت المحاكم المصرية أصدرت عدة أحكام بالإعدام على عدد من قيادات الإرهاب والتطرف فى مصر، غير أن مبارك لم يوقع على تنفيذ أى حكم منها، ومن ثم لم تنفذ، تلك واحدة من ألغاز سياسات مبارك.

وحتى اليوم، ليس لدينا تفسير واضح لموقف مبارك، بعض رجال الحزب الوطنى يرددون أنه لم يكن يريد أن يقطع شعرة معاوية مع المتطرفين، وأنه كان يحاول احتواء عنفهم وإرهابهم، والبعض الآخر يرى أنه ترك هؤلاء دون تنفيذ حكم الإعدام على طريقة «العصا والجزرة»، قيل الكثير والكثير، لكن لم يسأل مبارك فى ذلك بشكل مباشر ولا قدم أركان حكمه تفسيراً لموقفه؛ والنتيجة أن هؤلاء بين عشية وضحاها أطلق سراحهم وخرجوا إلى المجتمع أشد عنفاً وأكثر استقواءً.

بعض الذين يطرحون مبادرات للتصالح مع الإخوان الآن ينطلقون فى ذلك من تجربة مبارك، ويريدون أن نكررها، أو أن نستنسخها، رغم أن تجربة مبارك فى التعامل مع الإخوان أثبتت فشلاً ذريعاً، وانتهت إلى مأساة وطنية وسياسية، ما زلنا ندفع ثمنها إلى اليوم.

«رفاعى طه» زهت له الدنيا هو ومن معه زمن حكم الإخوان، فانطلقوا يهددون ويتوعدون كل من لم يبايعهم، قال أحدهم -طارق الزمر- قبل 30 يونيو بأيام «سنسحقهم»، يقصد ملايين المواطنين المصريين الذين رفضوا استمرار الإخوان فى الحكم، ومن أسف أن هذا الإرهابى الذى توعدنا، ظل لمدة عام ضيفاً شبه دائم على قصر الرئيس الإخوانى، وضيفاً يومياً فى برنامج بإحدى القنوات الفضائية يبث إرهابه مع مذيع أجاد أن يبرر له ما يقوله ويهش ويبش له على مدى عام كامل.

لا أريد أن أتوقف أمام سيرة رفاعى طه الذى تنقل بين السودان واليمن ثم تركيا، وانتهى به الحال فى سوريا، هناك من يتتبعون سيرته ويعرفونه أفضل.

هو نموذج من آلاف الإرهابيين من مصر ومن تونس والمملكة العربية السعودية والأردن وبعض بلاد أوروبا، هم الذين أخذوا على عاتقهم فكرة إسقاط «الوطن»، كبقعة جغرافية وقيمة إنسانية عليا، وقرروا أو تم الإيحاء إليهم بالعمل على إبادة الدولة الوطنية وتدمير مؤسساتها، فكان ما جرى فى ليبيا وما يجرى فى سوريا واليمن الآن، وفى مصر، حاولوا إسقاط وزارة الداخلية ثم القضاء ومن بعدها القوات المسلحة، لكن ظلت مؤسساتنا عصية عليهم، وخرج الملايين فى 30 يونيو دفاعاً عن الدولة الوطنية المدنية الحديثة، المتشددون والإرهابيون يريدون إسقاط الدولة والوطن، ليستبدلوا به وهماً أو كابوساً كبيراً اسمه «دولة الخلافة».. وبات واضحاً أمامنا أن ذلك الكابوس لا يدمر فقط معنى الوطن، ويخرب مجتمعات بأكملها، لكنه بات عبئاً حقيقياً على الإسلام ذاته، ويسىء إلى هذا الدين العظيم فى تسامحه ودعوته إلى ضرورة الحياة والإعمار.

المعنى المباشر لوجود رفاعى طه وزمرته على الأراضى السورية يتعلق بمصداقية «الجماعة الإسلامية»، سواء فى مراجعاتها أو البيانات التى تصدر أحياناً عن بعض رموزها، بالرغبة فى التصالح والعيش الآمن، هل كانت المراجعات تعبيراً عن موقف فكرى وفقهى حقيقى، أم كانت «تقية» بهدف ضمان الخروج من السجون وإسقاط العقوبات القضائية عن أعضائها المدانين فى جرائم عنف وإرهاب؟!

لا أحد يريد أن يجيب على هذا السؤال، خاصة أن الجماعة فى زمن حكم الإخوان راحت تزايد على «خيرت الشاطر» فى تشدده وتنافس جماعة أولاد أبوإسماعيل فى الدعوة إلى قطف رقاب الخصوم السياسيين.

اندماج الجماعة مع الإخوان، زمن حكم د. محمد مرسى، أثار وما زال يثير السؤال حول مصداقية الطرح الذى ساد عن أن الجماعة كانت تمثل انشقاقاً عن الإخوان، خاصة مع ما نُسبَ إلى مأمون الهضيبى، حين كان مرشداً عاماً، أن هؤلاء منهم وما نراه هو عملية توزيع أدوار، الأمر يجب أن يطرح على نطاق واسع فيما يتعلق بالانشقاقات الفردية أو الجماعية عن جماعة الإخوان الإرهابية.

مرة أخرى، هل كانت المراجعات جادة أم كانت «تقية» سياسية، وبالمعنى المصرى الشعبى «يتمسكن لغاية ما يتمكن».

المعنى المباشر أيضاً لوجود «رفاعى» فى سوريا أن الإرهاب لا يقصد دولة بعينها، ولا وطناً بذاته، ولم يعد يميز بين ما يسمى العدو القريب والعدو البعيد، صار يمارس الإرهاب لذاته، وصار الشر يصدر عنهم لذاته، إذا كان «الشيطان» يمارس الشر بين البشر من أجل الشر ذاته، أى الشر للشر، فهكذا الإرهابيون، وما تركيزهم على سوريا وليبيا والعراق واليمن سوى أنهم وجدوا فيها موضعاً لهم ومرتعاً يمرحون فيه، وأى مكان يجدون فيه الموضع والمرتع لا يتورعون عن فعل الشر، قد يكون الموضع بالوجود العلنى الكثيف، وقد يكون بتكوين الخلايا النائمة، وأمامنا ما جرى فى فرنسا وبلجيكا، تذرع المتشددون وكذلك الإرهابيون فى الهجوم على مجتمعاتنا بانعدام الديمقراطية السياسية، لكن فرنسا بها ديمقراطية وكذلك بلجيكا وقبلهما الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا، ويتعللون فى سوريا بالطائفية، لكن ليبيا لم يكن فيها طائفية، كل سكانها من المسلمين السُنَّة، وحيث إن الأمر كذلك، فإن مواجهة هذا الشر يجب أن تكون عابرة للأوطان ولحدوده، ليس معنى هذا إلغاء الأوطان أو إسقاطها -لا سمح الله- ولكن يجب أن يكون هناك تعاون دولى فى تلك المواجهة، وهو ما لم يتحقق بالقدر الكافى إلى اليوم.

*نقلا عن صحيفة "الوطن" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.