الغرفة المزدحمة لن تسع الفيل!
"ثمة فيل في الغرفة".. هو مثل يتم الاستشهاد به لوصف الحقيقة الواضحة التي لا يود أحد أن يشير إليها. ولكن، عندما نسقط هذا المثل داخل السياق الأميركي، نكتشف بأن الغرفة السياسية الأميركية ليس بها فيل بل تشغلها ثلاثة كائنات مختلفة: تنين، ودب، وصراصير متسللة.
يمثل التنين الدين العام الأميركي الذي وصل إلى 19 تريليون دولار. وبشكل أدق، يرمز هذا التنين إلى الدائن الصيني الذي أمضى الشهور القليلة الماضية في بيع الدين الأميركي على شكل قروض من أكبر المؤسسات المالية في الولايات المتحدة. وتخفض الصين، الدائن الأكبر للولايات المتحدة، دينها باستمرار (والذي يقدر الآن بـ1.2 تريليون دولار أو 6.5% من الدين العام)، وتضع حكومة الولايات المتحدة في موقف حرج، بالأخص أن الكثير من حساباتها موجهة لصناديق الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي.
ويمثل الدب روسيا الكبرى، والتي وإن أصابها الكثير من الضعف بعد انتهاء الحرب الباردة وانحلال الاتحاد السوفييتي، إلا أنها عادت مجددا وبقوة إلى سياستها التوسعية. فقد نجحت في بناء تواجد لها في أوكرانيا، ولم تفوت فرصة التواجد العسكري المباشر في سوريا. وبعد صمت الجميع على هذه التدخلات الروسية، تستمر روسيا في التقدم، حيث أعلنت مؤخراً رغبتها في إنشاء قاعدة جوية في بيلاروسيا في خطوة تعتبر تحركا استراتيجيا إضافيا للروس يتطلب تعاطيا حذرا.
وأخيراً، الصراصير، والتي تمثل المنظمات الإرهابية كالقاعدة وحزب الله والميليشيات الإرهابية المدعومة من قبل إيران، إضافة إلى المنظمة الإرهابية التي تستمر في التوسع ونشر الترويع حول العالم، داعش. عبر حملاتها الإعلامية، شبكتها العالمية، توظيفها للإرهابيين واستقلالها المالي، أثبتت داعش أنه لا حدود لها. هي لا تمثل حالياً تهديداً للشرق الأوسط فحسب، بل هي تهدد وبشكل مباشر الأمن القومي الأميركي والأمن العالمي ككل.
ما هي حلقة الوصل بين هذه التحديات الثلاثة؟ بغض النظر عن الإدارة القادمة لحكومة الولايات المتحدة، تشكل هذه التحديات الثلاثة حملاً ثقيلاً على كاهل الإدارة القادمة مما يتطلب قيادة حكيمة وجهود مضنية. في واقع الأمر، يعتبر دور الولايات المتحدة الذي اتخذته لنفسها دائماً محط التساؤل في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد أن أظهرت عدم رغبتها في دعم وتأييد حلفائها حول العالم. حتى إنني قمت بسؤال النائب الأميركي جون ماكين، أثناء فعالية استضافها مركز الأمن والمخابرات للقرن الواحد والعشرين في مركز "Brookings" لمناقشة قانون تفويض الدفاع الوطني يوم 20 أكتوبر 2015، عن دور الولايات المتحدة في الأمن الإقليمي، والذي أكد بدوره أهمية المرحلة الحالية وغياب الدور القيادي للولايات المتحدة في هذا الشأن "لم يشهد العالم عصراً للأزمات الدولية من بعد الحرب العالمية الثانية كالعصر الذي نشهده الآن، أرى غياباً للدور القيادي الأميركي، وأرى أيضاً دولاً أخرى بدأت في أخذ موقف سمته الحياد والتكيف مع الوضع الجديد".
دخول مرحلة انتخابية جديدة يشكل تحديات وفرصاً للإدارة الأميركية القادمة. تتمثل التحديات في الحاجة الماسة لتقوية العلاقات مع التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب والذي تم تشكيله حديثاً ويشمل أكثر من 39 دولة، بينما تكمن الفرص في بناء روابط اقتصادية ومالية متينة مع هذه الدول التي ستقود العالم نحو النمو والاستقرار والازدهار. إضافة إلى ذلك، تحتاج الولايات المتحدة للحفاظ وتقوية علاقتها باليابان، ما يمنحها فرصة أفضل في تحسين وضع ديونها المتراكمة مع الصين.
باختصار، ما تحتاجه الولايات المتحدة الأميركية هو اتخاذ موقف ورسم استراتيجية واضحة لإعادة صياغة التزاماتها مع ذوي الثقة من حلفائها التاريخيين، كدول مجلس التعاون الخليجي واليابان. من خلال هذا التوجه، سيتبين للولايات المتحدة أن إعادة بناء الثقة مع هؤلاء الحلفاء هو الحل الوحيد والأمثل لاحتواء الكائنات الثلاثة داخل الغرفة السياسية الأميركية، لأنها إن لم تفعل ذلك فلن تقتصر النتيجة على المزيد من التباعد عن الولايات المتحدة فحسب، بل إلى تقارب الجميع مع التنين، الدب، والتعرض بشكل مباشر لتهديدات الصراصير.
*الكاتب مؤسس ورئيس لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية الأميركية (سابراك)