عن أن لبنان يستحق جائزة «نوبل»
في شوارع بيروت تنتشر لافتات ضخمة تعلمك أنه حان الوقت ليفوز لبنان بجائزة «نوبل». تعتقد لوهلة بأنها واحدة من تلك «القفشات» التي يعتمد أصحابها عنصر المفاجأة الإعلانية، قبل أن يفصحوا مرادهم الحقيقي، كافتتاح محل تجاري أو الترويج لسلعة ما. لكنك سرعان ما تتيقن من أن الأمر ليس مجرد مناورة تجارية وإنما مناشدة شبه رسمية صادرة عن مؤسسة اجتماعية عريقة، يعتقد أصحابها فعلاً بأنهم، ولبنان من ورائهم، يستحقون جائزة «نوبل».
تنظر حولك محاولاً إيجاد مصدر تلك الثقة العالية بالنفس، ومكمن الإعجاب بتجربة بلد يستحق عليها «نوبل»، وهو بالكاد يطاول «آيزو» (مؤشر المعايير الدولية) فلا تقع على ما يسمن من جوع.
الحيرة التي تتملكك جراء ذلك، لا تبددها فكرة عبقرية أطلقها وزير الخارجية اللبناني، تقضي بإلزام المنظمات المعنية برعاية اللاجئين السوريين شراء محصول التفاح وتوزيعه على مخيماتهم لضمان تصريفه ومنع كساده، في وقت سدت غالبية طرق التصريف البري بسبب الحرب في سورية. تتوقع أن تنتفض المنظمات رفضاً للاقتراح وتبحث عن ردود فعل جدية تضع الوزير عند حده، فلا تقع إلا على متفرقات سريعة.
ثم لا تكاد تصحو من تلك الصدمة حتى تتذكر أن الوزير نفسه كان وافق على قانون منح المرأة اللبنانية الجنسية شرط ألا تكون متزوجة من سوري أو فلسطيني، بالتزامن مع إعلانات أخرى (بينها مؤتمر وشريط دعائي مصور) تدعو السوريين للعودة وتدافع عن «حقهم» في ذلك.
اللافت في ذلك وغيره من الحالات التـــي ليس المجال لذكرها، لا يتــــوقف عنـــد فداحـــة تلك الإعلانات والتصريحات وخروجها عن أي نسق منطقي أو سياسي، بل في أن ثمة من يتبناها من اللبنانيين ليسوا أقلية منعزلة.
أي أن تلك «الأنا» المتضخّمة، والظن بأحقـية لبنان وقطاعاته المختلفة بجوائز دولية، قد ترقى إلى «نوبل» أو لا ترقى إليها، ليسا تغريداً خارج السرب، بل هما عنصر أساسي مكون للوعي اللبناني «المتفوق»، ترفده عناصر أخرى مشكلة لتلك الرواية الجمعية، منها مثلاً لا حصراً ضرورة حماية البلد وأهله من «الغريب»، لا سيما إن كان سورياً أو فلسطينياً. وإذ كان المسيحيون عموماً و «المارونية السياسية» تحديداً الأعلى صوتاً تقليدياً في التعبير عن تلك المخاوف، فإن بقية الطوائف كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في هذا الرفض إن لدوافع طائفية أو اجتماعية. وإذ يتولى المسيحيون جانب «العلاقات العامة» و «الحملات الإعلامية» التحريضية خارجياً ومحلياً، يقوم فريق في الحكومة اللبنانية («حزب الله») بخوض الحرب الفعلية على الأرض في سورية. أما البيئات السنية، المدينية والريفية على السواء، فتكفي مراقبة استبسالها في تكريس تمايزها عن «الوافدين» السوريين فيما ترفع القيادات شعار «حق العودة». وإن كان السنّة أكثر الجماعات اللبنانية تأييداً للثورة السورية، يبقى أن «التعايش» مع ناسها مسألة أخرى. وصحيح أن تلك الفوارق أقوى وأكثر وضوحاً في المدن وبين سكانها، لكن الأرياف أيضاً وَجَدَت نافذة رسم عبرها ذلك التباين والتفوق على «الغريب» عبر نسج روايات من خيوط اجتماعية وسلوكية.
والحال إن الوقوف الجدي عند مسائل كالمطالبة بجائزة «نوبل» أو غيرها مما سبق، يقتصر على شريحة ضيقة من الكتاب والناشطين والعاملين في الشأن العام، وهي فئة تضيق أكثر مع انعدام بوادر حل، وسقوط الأمور إلى سوية سوريالية من الهزل والعبث. لذا، فإن الردود غالباً ما تقف عند حدود السخرية والاستهزاء من قبيل «نوبل قليلة، لازم أكثر»، أو «ماذا عن موسم الحشيش؟»، أو كتابة مواقف صادقة لا شك، على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن استهلاكها أسرع من أن يترك أثراً فعلياً.
ولعل إحدى المعضلات العميقة التي يعيشها اللبنانيون حالياً، وهي كثيرة ومعقّـــدة، تكمن في صورة اللبناني الفرد عن نفسه، ومأزقه حيال صورة الجماعة. وينكشف يومياً كم هو صعب نقــض السردية الشائعة عن لبنان بصفته «قطعة سما» واللبناني بصفته مخترع تلك القطعة، في أوساط كان يعتقد بأنها تجاوزت هذا المفهوم من المشاعر «الوطنية» إلى أفق أرحب وأكثر تطلباً.
وفي الوقت الذي انهارت فيه مؤسسات الدولة انهياراً تاماً، وتغوّلت دوائر الزبائنية السياسية، لا يزال هناك من يدافع عن «صورة لبنان» في الخارج. صورة متصدعة تبدأ بروايات متضاربة عن تاريخ متضارب ودموي، لم يتوحّد في المناهج الدراسية بعد، لكنها تلتقي عند تمثال المغترب اللبناني بشرواله وقلنسوته، منتصباً عند مدخل العاصمة.
معنى ذلك أن هناك لبنانيين كثيرين يعتقـــدون بأن ما يحدث لهم وباسمهم مقـــبــول أو مقدور عليه، طالما لم يكتشفه الآخر، السائح أو المستثمر أو المـــهاجر من أبنائهم. وما لم تبدأ مراجعة تلك الروايات المؤسسة للهوية اللبنانية ونبش الماضي القريب الذي ساهم في تكريسها، ستجد أكوام النفايات المرصوفة على حافة الطرق مَنْ يبررها، ويسكت عنها دفاعاً عن زعيم أو قائد.
أنا بخير، يردّد اللبناني لنفسه كل صباح. أنا فعلاً بخير... لديّ حلول لمواسمي الزراعية الكاسدة، وخطط دقيقة وواضحة لأكبر أزمة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية، كما أنني محصّن بنظام حماية اجتماعي ضد الغرباء، وقريباً جداً يكون لديّ رئيس من فريق سياسي اجترح كل تلك المعجزات... فكيف لا أستحق جائزة «نوبل» وربما أكثر؟
نقلاً عن الحياة