مأساة «التايتانيك» الثانية!
الدكتورة كريستينا كاتانيو من قسم الطب الشرعي، في جامعة مايلاند منهمكة منذ 12 ساعة، في جزيرة صقلية، قرب مدينة ميليلي في تحري الجثث أمامها لتحديد أصحابها! هذه التوابيت والأجساد النخرة تعود لأكبر كارثة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية. حيث غرق زورق يحمل المهاجرين السريين الهاربين من أفريقيا نحو «الجنة» المزعومة في أوروبا.
الكارثة التي حملت إلى أعماق المياه الباردة وبطن سمك القرش أخذت أرواح أكثر من 800 إنسان مسكين فقير لم يسأل عنهم أحد إلا أهلهم، وحاليا نشطت الحكومة الإيطالية بعد مرور عام على الكارثة (18 أبريل 2015) في رصد ميزانية لانتشال الزورق والجثث، أو ما تبقى منها لمعرفة أصحابها.
بدأت الرحلة التعيسة من شاطئ في ليبيا مع نسمات السحر حيث شحن المهاجرون على ظهر قوارب مطاطية بالمئات إلى عرض البحر على بعد 8 كلم تحت الحراسة المشددة من مهربين ملثمين مسلحين. وبعد 13 ساعة من الإبحار حل الظلام وليس ثمة بصيص أمل في الأفق، ولا منظر اليابسة «تيرا.. تيرا» فأطلق اثنان من المهربين صرخة «أنقذوا أرواحنا» (SOS) فأرسلت البحرية الإيطالية خلف من هو الأقرب لهم، ولم يكن ثمة إلا مركب كبير (147م) باسم الملك يعقوب! بعد ساعتين ظهر زورق اللاجئين على الرادار، ولكن ثمة حركة خاطئة في انتظار الضحايا. فما الذي جرى؟
قال من نجا ورأى سكرات الموت إن الزورق عجل بحركته إلى المركب الكبير فارتطم؛ فكان لهول الصدمة صداها وهزتها عند الركاب المحمولين بالكاد؛ فأصيبوا بالهلع فهربوا من مكان الارتطام بالمئات إلى الطرف المقابل، وإذ لم يكن ثمة توازن في قارب تهريب من هذا النوع؛ فقد مال، وأصابه ما أصاب «التايتانيك» فمال وهوى إلى القاع في خمس دقائق.
هنا وفي زحمة الهول كان المئات قد حشروا في القاع؛ فلم يكن ثمة نجاة، ومن كان على السطح فرمى بنفسه فهلك 24 وسبح 28 فنجوا، أما بقية القوم فقد أصبحوا في عمق 370 متراً يحوم حولهم سمك القرش. وجاءت طبيبة التدقيق الشرعي «كاتانيو» بدون مقابل، وهي تقلب في الجثث، هل من رسم على الجلد؟ هل من بصمة؟ هل من ندبة؟ هل ثمة ما يدل على صاحب الجثة! وتتوقع هذه الطبيبة الانتهاء من تعيين هويات الموتى مع آخر أكتوبر الجاري.
أما جزيرة صقلية فقد حوت من القبور المجهولة الكثير ربما مذكرة بحملة هانيبال وتمرد سبارتاكوس! وتقول الانثروبولوجية جيورجيا ميرتو وسيمون روبينز من جامعة يورك في بريطانيا إنه أمر لا يليق بهؤلاء المساكين القاصدين الأرض الأوروبية أن يدلفوا إلى مستودعات النسيان، بل لابد من وضع بنك معلومات حول هؤلاء الفارين؛ فهم ليسوا وحدهم بل ضاع قبلهم في غمرات الموج عشرات الآلاف في البحر المتوسط، بين عام 2014 واليوم، ولم يتم التعرف على هويات أصحابها إلا الثلث، وقد أحصي غرق 1229 شخصاً في أسبوع واحد. لقد مثل أكثر من فيلم حول غرق التايتانيك لأنها تمت بصلة إلى الجنس الأبيض والطبقة الارستقراطية، أما الأفارقة الفقراء فلا بواكي لهم!
* نقلا عن "الاتحاد"