.
.
.
.

استنبات القلوب

خالص جلبي

نشر في: آخر تحديث:

حين تم الاتصال بالدكتور جاك جايت (Jacques Guyette) من بنك الدم، لإخباره بأن ثمة طفلة في سكرات الموت، هرع إلى المكان. كان «جايت» رئيس برنامج القلب في مخبر المشفى العام لـ«ماساشوسيت»، ويبحث بدأب عن قلب إنساني جيد النوعية لحاجة في نفسه. حضر الطبيب وناقش الأهل عن أهمية الاستفادة من قلب الطفلة للبحث العلمي. كان أملهم، بعد فقد طفلتهم، أن يُزرع قلبها لشخص آخر يعيش به.

كان جواب الدكتور جايت واضحاً، وهو أن ليس ثمة زرع للقلب في صدر آخر، بل استخدامه للبحث العلمي البحت.

من يقوم بعملية الاستنبات وخلق أعضاء جديدة هو جراح الصدر النمساوي «هارالد أوت» (Harold Ott). نحن نعلم أن علم البيولوجيا أرسى مجالاً جديداً واعداً هو علم الاستنساخ، حيث أمكن استنساخ عجول وفئران، بل هناك طموح لاستنساخ كائنات منقرضة كما رأينا في فيلم «جوراسيك بارك». ومن استنساخ الأنسجة بدأ التفكير في القفز إلى توليد الأعضاء هذه المرة.

وهناك على لائحة الانتظار في أميركا 120 ألف شخص ينتظرون زرع أعضاء لهم، وفي ألمانيا أكثر من عشرة آلاف. لقد نجح الطب في زراعة الأعضاء، لكن التحدي هو في ترويض الجسم على التكيف مع زرع عضو غريب في أحشائه.

هذا التحدي تصدى له «هارالد أوت» الذي يعمل في بوسطن، بطريقة جديدة مستحدثة من فكرة رائعة قوامها أن الخلايا الجذعية (Stem cells) يمكن أن تغطي الثغرة الأولى في إيجاد نسيج بل عضو جديد محل المهترئ. إنها فكرة رائعة، ولكن كيف السبيل إليها؟ في التاريخ الطبي هناك قصة مفزعة اشتهرت بالدكتور فرانكنشتاين (Frankenstein) وما يقوم به فريق الدكتور «أوت» يذكّر بهذه القصة، لكن أين السر في التقنية الجديدة؟

إن هذا يتوقف على ثلاثة عوامل: الكود الوراثي، الخلايا والمادة المذيبة لها، وأخيراً الثورة في تقنية الاستنساخ.

حين فكر «أوت» في تفادي زرع خلايا جديدة في أنسجة ميتة، كما هو الحال في احتشاء القلب، تساءل: ولماذا لا نخلق قلباً كاملا؟ وهداه تفكيره إلى طريقة رائعة، وهي إحضار قلب وإزالة كل التركيب الخلوي مع المحافظة على الهيكل الأساسي للعضو. المهندسون يسمون «البناية على العظم». هنا قام «أوت» بنفس الطريقة فحقن القلب بمادة مذيبة تطرح كل الخلايا من العضو وتحافظ على «سقالة» أساسية من ألياف البروتين. وحتى يصل إلى هذه المادة، قضى سنوات وهو يبحث عن مادة تزيل الخلايا وتحافظ على هيكل العضو، فاكتشف أخيراً أنها مادة كبريت لاوريل الصوديوم.

بقي عليه خرق حاجز أخير في استخدام الخلايا الجذعية، التي تخرج منها كل أنواع الخلايا الأخرى مكونةً 120 نوعاً من الأنسجة. وهنا تأتي فكرة الدكتور «أوت» في الحصول على هذه الخلايا السحرية فيما لو زرعها في السقالة التي شكّلها، بمعنى إعادة حقن الخلايا بعد نزعها منها، ثم إعادة «الخلونة».

تجرأ الدكتور «أوت» ووضع جهاز ضغط شافط لعضلات القلب، وانتظر نهاية تجربته آناء الليل وأطراف النهار. ربما زار مخبره أكثر من مئة مرة وهو يسأل زميل عمله المراقب معه «توماس»: هل خفق القلب أم لا؟ وكان الجواب سلبياً في كل مرة، حتى كانت تلك الليلة الحاسمة حين اتصل به توماس وقال: لقد خفق القلب يا صاحبي.

قصة استنبات أول قلب هي مرحلة جديدة في خدمة المرضى المتلهفين لمعالجة قصور الأعضاء النبيلة عندهم، دون الاعتداء على جهازهم المناعي.

نقلاً عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.