«الرؤية» والتحديات
ترتكز رؤية السعودية في النهاية على خلق مناخ اقتصادي ينتج مداخيل متنوعة من المال لدعم مداخيل النفط، وفي الوقت نفسه يصبح هذا المناخ مولداً لملايين الوظائف التي يتطلع لها الأبناء والبنات. من المعلوم بالضرورة أن الحركة التجارية وليست الصناعية أو الزراعية في أي مجتمع هي العمود الفقري لخلق الوظائف الجديدة. عند متابعة الحركة التجارية، سواء في الأسواق والمجمعات أم حتى في مراكز الترفيه والفنادق والمطاعم في دول العالم المتقدمة اقتصادياً، ومقارنة ذلك بما نتطلع إليه في المملكة، يجد المراقب فوارق كبيرة. سبب هذه الفوارق نمط الحياة الاجتماعية هناك وتعدد المناسبات التي تستوجب التنقل من مكان الى آخر، وشراء الهدايا المتنوعة لكل مناسبة. هناك -على سبيل المثال وليس الحصر- مناسبات صغيرة ولكنها مهمة تجارياً، منها يوم الأب ويوم الأم وذكرى الزواج وأعياد الميلاد لكل فرد. وعلى المستويات الأكبر يوجد عيد رأس السنة ومناسبة الكريسماس، والذي لم يعد مناسبة دينية بل تحول إلى مجرد عطلة وتجارة وفرح وهدايا لا تعد ولا تحصى. يوجد في أميركا مثلاً مناسبات رياضية سنوية ثابتة في توقيتها، وهي أربع بطولات كبرى لرياضات تتمتع بشعبية عارمة، البيسبول وكرة القدم والسلة ولعبة الهوكي، كل دوري من هذه الرياضات ينتهي بتصفيات مثيرة ومباريات نهائية يصاحبها إنفاق هائل، سواء في الحضور أم في شراء الهدايا التذكارية أم في التغطية الإعلامية. لهذه الأسباب وغيرها وكون هذه المناسبات موزعة على روزنامة العام بطريقة ذكية نجد الحركة التجارية والصناعية في دوران مستمر لا يتوقف طوال العام.
الموضوع لا يتوقف على البيع فقط، فهناك الترويج لهذه المناسبات، وهذا العمل في حاجة إلى فرق مكثفة من المتخصصين داخل مؤسسات الدعاية والإعلان. الصحف تتأهب للنشر وتستقبل ملايين الدولارات، وكذا محطات التلفزيون والراديو هي الأخرى تحظى بالنصيب الأكبر من دقائق الإعلانات.
إشارتي إلى المناسبات لم تتضمن المعارض السنوية الكبرى، كمعارض الطيران والكتب والأثاث والمنتجات الطبية والغذاء والكماليات والنفط والطاقة والإلكترونيات والاتصالات والسيارات والبناء والأزياء ومعارض كبرى للفنون والدراما، إضافة إلى مناسبات كالأوسكار وجوائز إيمي وغيرها، وأثر ذلك في قطاعات النقل والضيافة. كل ما ذكرت يشرف عليه ويتابعه وينظمه آلاف الأفراد في وظائف متنوعة.
لماذا أتحدث عن ذلك؟ السبب بسيط جداً، وهو أننا في المملكة نواجه ارتفاعاً في نسبة البطالة، وهذه النسبة تستمر في النمو مع الأسف. من يراقب المحتوى الوظيفي في المملكة والنمط الاجتماعي لسلوك الأفراد لا يرى أي بارقة أمل في قدرتنا على خلق وظائف جديدة.
معظمها يتحدث عن تطوير الصناعة بما يعزز قدرتنا على التصدير، وهي وجهة نظر سليمة لكنها لا تكفي. فصناعياً لا يوجد ما يكفي لاستقبال الخريجين الجدد حتى لو افتتحنا ثلاث مدن جديدة بحجم الجبيل وينبع، وحتى لو افتتحنا خمس شركات جديدة بحجم «سابك» فهي الأخرى لا تكفي. وللتأكيد على عدم قدرة الصناعة في خلق الوظائف بأعداد كبيرة يكفي النظر إلى قدرة هذا القطاع في توظيف أبناء وبنات البلد في أي دولة صناعية كبرى. النسب هناك لا تتجاوز ٣٠ في المئة من إجمالي القوى العاملة، وبقية الوظائف تتوزع على قطاع الخدمات الواسع، مبيعات التجزئة التي أشرت إليها أعلاه تشكل النسبة الكبرى في قطاع الخدمات، تليها أفرع المصارف والسياحة بتفرعاتها والاتصالات والقطاعات الصحية والتأمين ومؤسسات التسويق والدعاية والإعلام.
تحدثت رؤية المملكة عن أهمية خلق الفرص الوظيفية بوضوح، غير أن الانتقال من التنظير إلى أرض الواقع يتطلب الكثير. لو نعيد النظر في المناسبات الغربية التي افتتحت بها هذه المقالة لوجدناها مناسبات فرح واحتفال في ظاهرها، وفي داخلها مناسبات تجارية بحتة. غير أن مثل هذه المناسبات في مجتمعاتنا تعتبر شبه محظورة. بعضهم يربط ذلك بمحاذير دينية ويعد حتى احتفال عائلة بذكرى مولد أحد الأبناء أو البنات في مطعم عام مخالفة شرعية. لو خطط فريق كرة القدم الفائز ببطولة الدوري لإقامة احتفال كبير في مدينته لظهر من يطالب بمنع الموسيقى والطرب.
في زمن مضى عندما كنت أعمل في قطاع التجزئة لا أذكر إلا مناسبة واحدة توصف بأنها كبيرة تجارياً، وهي ليلة دخول شهر رمضان المبارك، غير أن ما يباع في تلك الليلة لا يتعدى 20 صنفاً من المأكولات والمشروبات، يتقدمها شراب الفيمتو وبعض أنواع المكرونات ومساحيق لعمل الحلوى. بمعنى أن لا جديد في العرض، بل مجرد تكرار لما هو موجود أصلاً في المتجر ولكن بكميات كبيرة وأسعار محروقة. مناسباتنا الاجتماعية في المملكة تقام في البيوت من وراء الأسوار، ومشكلة ذلك أنه لا يتيح المجال للغير بالقيام بالتنظيم، لأن من يعمل في البيت أصلاً هم من يقوم بذلك. مناسبات محصورة جداً لا تتطلب إنفاقاً على الدعايات ولا عروضاً لبيع الهدايا ولا تحرك ساكناً، حتى النمط الغذائي في المملكة يختلف عن غيره. في تلك المجتمعات تتساوى أعداد المطاعم والمقاهي مع غيرها من الأنشطة الأخرى في عدد كبير من شوارع وطرقات المدن الكبيرة، والناس اعتادت على تناول العشاء خارج البيت بعد عناء العمل اليومي. في المملكة يوجد مطبخ رئيس في كل بيت، إضافة إلى بدعة الاستراحات، ولذا فتجارة تقديم الوجبات في المطاعم - وإن وجدت - فهي نادرة وروادها مترددون. في شكل عام يغلب على سلوكياتنا ممارسة معظم الأنشطة اليومية داخل البيوت، ما يحد من حجم الاستثمارات في الأماكن العامة. وخصوصاً دور المنشآت التجارية الصغيرة والمتوسطة. وللعلم ففي اليابان تساهم هذه المؤسسات بما نسبته ٦٧ في المئة من الوظائف.
هذه تحديات تتعارض مع الحركة التجارية، هناك تحديات في التنقل ونمط البناء السكني والتجاري وتحديات في التعليم والصحة والنظم العدلية والإدارية، أتمنى تناول دراسة أي معوقات للتنمية والتحدث عنها بصراحة من جميع الزوايا والدهاليز، تفادياً لا قدر الله للفشل وما قد يأتي معه من إحباط. أقول ذلك لأننا في بداية المشوار ولدينا متسع من الوقت لمعالجة الكثير من هذه الإشكالات.
نقلاً عن "الحياة"